ثم بين الله عزّ وجل سنته في الإهلاك، فأخبر أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط فقال: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ولم يقل صالحين وإنما قال: مصلحون نزه ذاته تعالى عن الظلم، وجعل من الظلم أن يهلك قرية وأهلها مصلحون، ومن تتبع ما حل بالبلاد والقرى خلال العصور من عذاب فإنه يجد العذاب مرافقا للفساد،
ثم بين حكمة الاختلاف وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً أي متفقين على الطاعات والإيمان عن اختيار، ولكن لم يشأ ذلك وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ أي في الكفر وفي الإيمان، ولكن شاء اختلافهم لعلمه بما سيختارونه
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أي إلا المرحومين فهؤلاء متفقون على الحق، فهؤلاء عصمهم الله عن الاختلاف، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ قال مالك: فريق في الجنة وفريق في السعير، أي خلقهم للذي علم أنهم سيصيرون إليه من اختلاف أو اتفاق، ولم يخلقهم لغير الذي علم أنهم سيصيرون إليه وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وهي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (السجدة: 13) أخبر تعالى أنه قد سبق في قضائه وقدره - لعلمه التام وحكمته النافذة - أن ممن خلقه من يستحق الجنة، ومنهم من يستحق النار،
وأنه لا بد أن يملأ جهنم من هذين الثقلين الجن والإنس، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، وهكذا حضت هذه المجموعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح والاتفاق على الخير، والاجتماع عليه والفرار من أسباب الهلاك في الدنيا والآخرة.
ثم ختمت السورة بتبيان حكمة ما ورد فيها وبتوجيهات أخيرة.