إن يد الله سبحانه لم تتدخل لتدمر على الظالمين ، إلا بعد أن فاصلهم المسلمون.. وما دام ، المسلمون لم يفاصلوا قومهم ، ولم يتبرأوا منهم ، ولم يعالنوهم بافتراق دينهم عن دينهم ، ومنهجهم عن منهجهم ، وطريقهم عن طريقهم ، لم تتدخل يد الله سبحانه للفصل بينهم وبينهم ، ولتحقيق وعد الله بنصر المؤمنين والتدمير على الظالمين..
وهذه القاعدة المطردة هي التي ينبغي لطلائع البعث الإسلامي أن تدركها ؛ وأن ترتب حركتها على أساسها:
إن الخطوة الأولى تبدأ دعوة للناس بالدخول في الإسلام ؛ والدينونة لله وحده بلا شريك ؛ ونبذ الدينونة لأحد من خلقه في صورة من صور الدينونة ثم ينقسم القوم الواحد قسمين ، ويقف المؤمنون الموحدون الذين يدينون لله وحده صفاً - أو أمة - ويقف المشركون الذين يدينون لأحد من خلق الله صفاً آخر.. ثم يفاصل المؤمنون المشركين.. ثم يحق وعد الله بنصر المؤمنين والتدمير على المشركين.. كما وقع باطراد على مدار التاريخ البشري.
ولقد تطول فترة الدعوة قبل المفاصلة العملية. ولكن المفاصلة العقيدية الشعورية يجب أن تتم منذ الحظة الأولى.
ولقد يبطئ الفصل بين الأمتين الناشئتين من القوم الواحد ؛ وتكثر التضحيات والعذابات والآلام على جيل من أجيال الدعاة أو أكثر.. ولكن وعد الله بالفصل يجب أن يكون في قلوب العصبة المؤمنة أصدق من الواقع الظاهر في جيل أو أجيال. فهو لا شك آت. ولن يخلف الله وعده الذي جرت به سنته على مدار التاريخ البشري.
ورؤية هذه السنة على هذا النحو من الحسم والوضوح ضرورية كذلك للحركة الإسلامية في مواجهة الجاهلية البشرية الشاملة. فهي سنة جارية غير مقيدة بزمان ولا مكان.. وما دامت طلائع البعث الإسلامي تواجه البشرية اليوم في طور من أطوار الجاهلية المتكررة ؛ وتواجهها بذات العقيدة التي كان الرسل عليهم صلوات الله وسلامه يواجهونها بها كلما ارتدت وانتكست إلى مثل هذه الجاهلية.