والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة الله تعالى بطبيعتها في نفسها ، ولو شاء تعالى أن يغيرها لفعل .
وقد أشار لهذا ابن كثير بقوله: يعني أن دوامهم ليس أمراً واجباً بذاته ، بل موكول إلى مشيئته تعالى .
وابن عطية بقوله: هذا على طريق الاستثناء الذي ندب الشارع إلى استعماله في كل كلام ، كقوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} [الفتح: من الآية 27] فليس يحتاج أن يوصف بمتصل ولا منقطع .
وللمفسرين هنا وجوه كثيرة ، وما ذكرناه أحقها وأبدعها .
ولما قص تعالى قصص عَبْدة الأوثان وذكر ما أحله بهم من نقمة ، وما أعد لهم من عذابه قال:
القول في تأويل قوله تعالى:
{فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} [109]
{فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء} أي: في شك من عبادتهم ، في أنها ضلال مؤد إلى مثل ما حل بمن قبلهم . وفيه تسلية له صلوات الله عليه ، وعدة بالانتقام ، ووعيد لهم {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ} أي: فهم سواء في الإشراك ، وقد بلغك ما نزل بآبائهم ، فسيحل بهم مثله . وهو استئناف معلل للنهي عن المرية: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} أي: من العذاب ، كما وفي لآبائهم: {غَيْرَ مَنقُوصٍ} .
القول في تأويل قوله تعالى:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} [110]