هذا ، وإن ما استدلت به المعتزلة في هذه الآية بأن الحرام ليس برزق لا مستند له ، لأن المقدّر للانتفاع هو الحلال ، فيكون المذكور في هذه الآية قسما من الرزق وهو شامل للحلال والحرام.
قال في بدء الأمالي:
وإن السحت رزق مثل حل وإن يكره مقالي كل قالي
ومعناه أن الحرام رزق مثل الحلال ، لأن الرزق ما يسوقه اللّه تعالى إلى الحيوان وينتفع به فعلا حراما كان أو حلالا ، سواء في ذلك رزق الإنسان والدواب ، مأكولا وغير مأكول ، ولا يقبح نسبته إلى اللّه تعالى كما تقوله المعتزلة ، لأن اللّه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد في ملكه ، فكل ما يقع من حلال أو حرام بتقديره كسائر أنواع الخير والشر ، إلا أن الحسن برضاه والقبيح بقضاه ، وعقاب مقترف الحرام لسوء مباشرة أسبابه فيلزم على القائل إن الحرام ليس برزق أن من انتفع بالحرام طول عمره لم يرزقه اللّه وهو خلاف الواقع ومباين لقوله تعالى:
(وَما مِنْ دَابَّةٍ ...
إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) الآية 6 من سورة هود الآتية ، وأهل الاعتزال لهم مخالفات كثيرة مع أهل السنة والجماعة منها هذه ، ومنها رؤية اللّه تعالى ، ومنها أن ما يفعله الإنسان من فاحشة لا دخل لخلق اللّه وإرادته فيها ، حتى قيل إن أبا إسحاق الاسفراييني كان ذات يوم عند الصاحب بن عباد ، فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني ، فلما رآه قال سبحان من تنزه عن الفحشاء ، فردّ عليه الأستاذ أبو إسحاق بقوله: سبحان من لا يقع في ملكه إلّا ما يشاء.
وإنهم يقصدون بذلك إكبار اللّه تعالى وتعظيمه عن أن يكون فاعلا لغير الحسن.