وهذه الآية عامة لكل البشر المنتفعين به قريش فمن عداهم الموجودين في زمنه صلى اللّه عليه وسلم والآتين بعده من عامة الخلق إلى يوم القيامة ، لأن القرآن ما زال ولا يزال رادعا عن الشر ، مرغبا بالخير ، مطهرا للأخلاق ، مصححا للعقائد ، منجيا من الجهالات ، لما فيه من الأمر والنهي والتخويف والترغيب والترهيب والتحذير والتذكير ، وخصّ الصدر دون سائر الجوارح لأنه موضع القلب وهو أعز موضع في بدن الإنسان ، قال صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي عبد اللّه النعمان ابن بشير وهو الذي سميت المعرة الواقعة بين حلب وحماه باسمه: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب:
مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس.
هذا ، وقد خاطب اللّه عز وجل رسوله سيد المخاطبين بقوله بعد ذلك"قُلْ"لهؤلاء الجهلة ليس الفرح الذي تطمئن له النفس بحطام الدنيا ولذتها الفانية ، وإنما الفرح الدائم المحمود العاقبة يكون"بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ"وهو الإسلام والإيمان والقرآن وطاعة الرسول"فَبِذلِكَ"الأمر العظيم الحسن العاقبة إذا أرادوا الفرح بمعناه ، المبهج للوجوه ، المثلج للصدور"فَلْيَفْرَحُوا"إذا فقهوا ونظروا إلى عاقبة الأمر ، فلا شيء أحق أن يفرح به غير ذلك ، فمن أعطي تلك الأمور الأربعة وعمل بما تفرع عنها فقد أعطي الخير كله لأنه"هُوَ"المشار إليه من الفضل والرحمة"خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ 58"من متاع الدنيا ، لأن ما آتاهم اللّه تعالى في الإسلام والإيمان والقرآن ومحمد صلى اللّه عليه وسلم والانتفاع بها وثلج اليقين بالإيمان وسكون النفس إليه لا يقاس بالدنيا وما فيها.