والمضطّر: هو من استنفد أسبابه ، وليس له إلا الله . لكن أن يقول إنسان: أنا أدعو الله ليل نهار وأسبِّحُه سبحانه وأقرأ سورة يس مثلاً ، ولا يستجيب الله لدعائي . ونقول لمثل هذا القائل: أنت لا تدعو عن اضطرار ولم تأخذ بالأسباب ، خذ بالأسباب التي خلقها الله ، أولاً ، ثم ادْعُ بعد ذلك . ولا تدْعُ إلا إذا استنفدت الأسباب ؛ فيجيبك المسبِّب ، وبذلك لا تفتن بالأسباب ، فحين تمتنع الأسباب ؛ تلجأ إلى الله . ولو كانت الأسباب تعطي كلها لفُتِنَ الإنسان بالأسباب ، والحق سبحانه يقول: {كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّآهُ استغنى} [العلق: 6 - 7]
لذلك نجد الحق يبيّن دائماً أن كل الأسباب بيده ، فنرى من يحرث ويبذر ويروي ويرعى ، ثم يقترب الزرع من النضج ، وبعد ذلك تأتي موجة حارة تميته ، أو ينزل سيل يجرفه . إذن: خذ بالأسباب واجعل المسبب دائماً في بالك ، وهنا يصح توكلك على الله .
وكثير من الناس يخطئ في فهم كلمة"التوكُّل"، وأقول: إن التوكل يعني أن تأخذ ، أولاً ، أسباب الله التي خلقها سبحانه في كونه ، فإن عَزّت الأسباب ولم تصل إلى نتيجة ؛ فاتجه إلى الله ، مصداقاً لقوله: {أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ} .
ونحن ندعو أحياناً عن غير اضطرار ونهمل الأسباب ، والمثال تجده في حياتنا حين يقول الابن لأمه:"ادعي لي حتى أنجح"وتجيب الأم الأمية قائلة كلمة بسيطة هي:"ساعد الدعاء بقليل من المذاكرة"، وهي بذلك تدل ابنها على ضرورة الخذ بالأسباب .
إذن: فمعنى التوكل ، أن تستنفد الأسباب التي مدَّتها يد الله إليك . فإذا استنفدتها ؛ إياك أن تيأس ؛ لأن لك ربّاً ، وهو سبحانه ركن شديد ترجع إليه .