أَوْجَبَ الْإِسْلَامُ أَنْ تَكُونَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ دَارَهُ الدِّينِيَّةَ الْمَحْضَةَ ، فَقَضَى عَلَى مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الشِّرْكِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ ، كَمَا بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَأَهَمُّهَا وَصِيَّتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْهَا ، وَبِأَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا دِينَانِ ، وَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ بِأَنَّ ثُغُورَ الْحِجَازِ الْبَحْرِيَّةَ ، وَمَا يُوجَدُ فِي بَحْرِهِ مِنَ الْجَزَائِرِ لَهُمَا حُكْمُ أَرْضِهِ وَبِلَادِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَسُلْطَانِهِمْ أَنْ يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْإِقَامَةِ فِيهَا لِتِجَارَةٍ وَلَا لِغَيْرِهَا . وَقَدْ ظَهَرَ لِمُسْلِمِي هَذَا الْعَصْرِ مِنْ حِكْمَةِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ بِبَالِ دُوَلِهِمُ الْقَوِيَّةِ مِنْ قَبْلِهِ الَّتِي تَسَاهَلَتْ وَقَصَّرَتْ فِي تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَسَمَحَتْ بِبَقَاءِ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي بَعْضِ بِقَاعِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ (كَالْيَمَنِ) ثُمَّ بِوُجُودِ بَعْضِهِمْ فِي (جُدَّةَ) وَهِيَ مِنَ الْحِجَازِ .
ظَهَرَ لَهُمْ أَنَّ أَسَاسَ السِّيَاسَةِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ جَمِيعِ الدُّوَلِ الْعَزِيزَةِ هُوَ أَنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ الْحَقَّ فِي حِمَايَةِ وَطَنِهَا بِحُدُودِهِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ ، وَمَا يُعَدُّ سِيَاجًا وَحَرِيمًا لَهُ مِنْ