وهكذا نجد أنهم لم ينزهوا الله وأخلُّوا بالإيمان الحق . ولا بد أن نعلم أن من قالوا: إن عُزَيْراً ابن الله ليسوا هم كل اليهود ، بل جماعة منهم فقط هي التي جعلت عُزَيْراً ابناً لله لما رأى أفرادها على يديه نعمة أفاءها الله تعالى عليه ، فقالوا: هذه نعمة عظيمة جداً لا يمكن أن يعطيها ربنا لشخص عادي ، بل أعطاها لابنه . ذلك أن اليهود بعد سيدنا موسى عليه السلام قتلوا الأنبياء ، وعاقبهم الله بأن رفع التوراة من صدور الحافظين لها ، ولكن طفلاً لم يعجبه مشهد قتل الأنبياء فخرج شارداً في الصحراء مهاجراً وهارباً ، فقابله شخص في الطريق فسأله: لماذا أنت شارد؟ فقال: خرجْت أطلب العلم . وكان هذا الشخص هو جبريل عليه السلام ، فعلَّمه أن لله توراة ، فحفظها فصار واحداً من أربعة ، هم فقط من حفظوا التوراة: موسى ، وعيسى ، وعزير ، واليسع ، ولأن الكتب قديماً لم تكن تكتب على ورق رقيق مثل زماننا ، بل كانت تكتب على الأحجار وسعف النخيل ، لذلك كان وزن التوراة يقدر بسبعين حِمْل بعير ، وحين رجع عزير حافظاً للتوراة ، اندهش قومه وقالوا: لا بد أنه ابن الله ؛ لأن الله أعطاه التوراة وآثره على القوم جميعاً . ونشأت جماعة من اليهود تؤمن بذلك ، وكان منهم سلاَّم بن مشكم ، وشاس بن قيس ، ومالك ابن الصيف ، ونعمان بن أوفى . وحينما أنزل الله قوله: {وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله} لم ينكر اليهود المعاصرون لهذا النزول تلك المسألة ولم يكذبوها ، فكأن هناك من اليهود الذين كانوا بالمدينة من كان يؤمن بذلك ، وإلا لاعترضوا على هذا القول ، وهذا دليل على أن ما جاء بالآية يصدق على بعضهم أو هم عالمون بأن قوماً منهم قد قالوا ذلك . وكذلك قالت النصارى عن عيسى عليه السلام ، فجاء قول الحق تبارك وتعالى: {وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله}