وقوله:"فيكسر الصليب ويقتل الخنزير"أي: يبطل دين النصرانية بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه، قوله:"ويضح الجزية"أي: أن الدين يصير واحدًا فلا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية، وقيل: معناه أن المال يكثر حتى لا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له فتترك الجزية استغناءً عنها، وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفار من غير محاباة، ويكون كثرة المال بسبب ذلك، وتعقبه النووي وقال: الصواب في معناه أنه لا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام ومن بذل منهم الجزية لم يكفِ عنه بها، بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل. قلت: -ابن حجر- ويؤيده أن عند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة:"وتكون الدعوى واحدة"قال النووي:
ومعنى وضع عيسى الجزية مع أنها مشروعة في هذه الشريعة أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى لما دل عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية بل نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- هو المبين للنسخ بقوله هذا، قوله: ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} ، و (وإن) بمعنى: ما؛ أي: لا يبقى أحد من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا نزل عيسى إلا آمن به، وهذا مصير من أبي هريرة إلى أن الضمير في قوله: {إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} وكذلك في قوله: {قَبْلَ مَوْتِهِ} عود على عيسى؛ أي: إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وبهذا جزم ابن عباس فيما رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح، ومن طريق أبي رجاء عن الحسن قال: قبل موت عيسى، واللَّه إنه الآن لحي ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، ونقله عن أكثر أهل العلم ورجحه ابن جرير وغيره.
قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبين اللَّه تعالى كذبهم وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها.
4 -اختيار العمل.