قالوا وطريقنا في التوسل إلى حضرة القدس ظاهر وشرعنا معقول فإن قدامانا من الزمان الأول لما أرادوا الوسيلة عملوا أشخاصا في مقابلة الهياكل العلوية على نسب وإضافات وأحوال وأوقات مخصوصة وأوجبوا على من يتقرب بها إلى ما يقابلها من العلويات لباسا وبخورا وأدعية مخصوصة وعزائم يقربونها إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب وتلقينا ذلك عن مرعاديموت وهرمس
فهذا بعض ما نقله أرباب المقالات عن دين الصابئة وهو بحسب ما وصل إليهم وإلا فهذه الأمة فيهم المؤمن بالله وأسمائه وصفاته وملائكته ورسله واليوم الآخر وفيهم الكافر وفيهم الآخذ من دين الرسل بما وافق عقولهم واستحسنوه فدانوا به ورضوه لأنفسهم
وعقد أمرهم أنهم يأخذون بمحاسن ما عند أهل الشرائع بزعمهم ولا يوالون أهل ملة ويعادون أخرى ولا يتعصبون لملة على ملة والملل عندهم نواميس لمصالح العالم فلا معنى لمحاربة بعضها بعضا بل يؤخذ بمحاسنها وما تكمل به النفوس وتتهذب به الأخلاق ولذلك سموا صابئين كأنهم صبؤوا عن التعبد بكل ملة من الملل والانتساب إليها ولهذا قال غير واحد من السلف ليسوا يهودا ولا نصارى ولا مجوسا وهم نوعان صابئة حنفاء وصابئة مشركون فالحنفاء هم الناجون منهم
وبينهم مناظرات ورد من بعضهم على بعض وهم قوم إبراهيم كما أن اليهود قوم موسى والحنفاء منهم أتباعه
وبالجملة فالصابئة أحسن حالا من المجوس فأخذ الجزية من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بطريق الأولى فإن المجوس من أخبث الأمم دينا ومذهبا ولا يتمسكون بكتاب ولا ينتمون إلى ملة ولا يثبت لهم كتاب ولا شبهة كتاب أصلا
ولهذا لما ظهرت فارس على الروم فرح المشركون بذلك لأنهم مثلهم ليسوا أهل كتاب وساء ذلك المسلمين فلما ظهرت الروم على فارس فرح المسلمون لأن النصارى أقرب إليهم من المجوس من أجل كتابهم وكل ما عليه المجوس من الشرك فشرك الصابئة إن لم يكن أخف منه فليس بأعظم منه