أما الحالة الواقعة التي كانت هذه النصوص تواجهها في مجتمع المدينة يومذاك ، فقد نشأت من الظروف التي واجهتها القيادة المسلمة في أول العهد بالهجرة إلى المدينة ، والتي يلخصها الإمام ابن القيم في زاد المعاد بقوله:"ولما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا يوالوا عليه عدوه - وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم - وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة. وقسم تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه. بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه.. ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن. ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم. ومنهم من دخل معه في الظاهر ، وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين ، وهؤلاء هم المنافقون فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى"..
وكان من بين من صالحهم ووادعهم طوائف اليهود الثلاث المقيمين حول المدينة ؛ وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. كما كان من بينهم قبائل من المشركين مجاورة للمدينة.
وظاهر أن هذه الأوضاع لم تكن إلا أوضاعاً موقتة ، تواجه أحوالاً واقعة ؛ ولم تكن أحكاماً نهائية في العلاقات الدولية الإسلامية ؛ وأنها عدلت فيما بعد تعديلات متوالية ، حتى استقرت في الأحكام التي نزلت في سورة براءة.
وهذه المراحل التي مرت بها هذه العلاقات سبق في الجزء التاسع أن نقلنا لها تلخيصاً جيداً للإمام ابن القيم في زاد المعاد. ولا نرى بأساً من إعادة هذا التلخيص هنا لضرورته: