وهكذا أحبتي الكرام، وتأتي من بعد ذلك سورة التوبة إن شاء الله وسورة براءة، وهي من السور المتأخرة، من التناسب الجميل والعجيب بينها وبين سورة الأنفال أنهما كالسورة الواحدة؛ لأن موضوعهما واحد، تتحدثان عن القتال والجهاد الإسلامي السمح، الجهاد العدل في الإسلام، الذي لا يظلم أحداً ولا يقتل ظلماً، وإنما يدفع شراً لتصل كلمة الله إلى كل إنسان يقبلها فيسلم أو يرفضها ويلقى الله كافراً إلى جهنم كما يشاء، فيفعل الله به يوم القيامة ما يشاء، إلا أنّ سورة الأنفال نزلت في أوائل العهد المدني لتنقل إلينا أحداث أول لقاء، وسورة التوبة كما سنتعلمها إن شاء الله تعالى في لقاء قادم، فيها ذكر غزوة تبوك وهي آخر غزوةٍ في الإسلام، ففيها - أي في سورة التوبة - آخر كلمة قالها الله عن الكافرين، آخر تشريع حكم الجهاد، ماذا قال الله فيه، وكيف نتعامل مع الكافرين؟ القرار النهائي، القرار الأخير في سورة التوبة، فالبداية في سورة الأنفال والنهاية في سورة التوبة، ولذلك رأى بعض العلماء لعل معهم صواب أو لعلهم خالفهم الصواب عفا الله عنا وعنهم، زعموا أنهما سورة واحدة ورجحوا ذلك - أي أيّدوه - بأنه ليس بينهما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن الصحيح أن هذه سورة وهذه سورة، هما مدنيتان نعم، ولكن الأنفال نزلت في أوائل العهد المدني والتوبة في أواخر العهد المدني [26] ، حتى قيل في قول من الأقوال أنها آخر ما نزل من القرآن [27] ، وليس ذلك بصحيح، بل فيها آخر ما نزل في الجهاد وفي معاملة الكفار المنافقين وغيرهم وهكذا، فبين سورة الأنفال وجارتيها مناسبة عظيمة وتناسب رائق، وذلك كله لأن الله هو الذي رتب السور بهذا الترتيب فلا يخلو هذا الترتيب من حكمة، فالله هو العليم الحكيم.