المسلمون قلة، ويذكرهم الله بهذا في سورة الأنفال"وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"، كانوا قلة مهما كثروا، كانوا قلة بالنسبة إلى عدد الكافرين، فلم يستجب الكثيرون إلى أعراف الشريعة وإلى الأخذ بالكتاب المقدس المنزَّل من عند الله عز وجل، إنما عاشوا بأهوائهم، ولم يكتفوا بهذا الكفر فقط، كفر في نفسه وفي قلبه وأعرض عن ربه ومنهجه، لا، بل طغى على هذا الكفر فقام يحارب الإسلام، قام يشكّك المسلمين ويضيق عليهم، قام يعاند ويحارب رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى عزموا على قتله لولا أن الله أمنّه وأخرجه من مكة مهاجراً إلى المدينة، لو ترك الله الأسباب تعمل لقتله أربعون شاباً جلداً قاسي القلب بسيف ماضٍ مسموم محموم، ضربة واحدة يتفرق دمه بين القبائل فلا يستطيع بنو هاشم أن يثأروا له أو أن يطالبوا بديته، ممن يطالبون؟ فيضيع حق النبي عليه الصلاة والسلام ويموت بغير دية، هذه عزيمتهم [20] ، الله أذن للبشر أن يقبلوا دينه أو يرفضوه"فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ"لكن أن يقوم الكافر في وجه المؤمن ويصده عن سبيل الله فهذا لا يرضى الله به، إن لم يكن الرد من المؤمنين فسيرد الله تعالى بقدرته كما رد على كفار بدر، كفار غزوة بدر رد الله عليهم بنفسه سبحانه وتعالى بجنده وقتلهم شر قتلة وهزمهم شر هزيمة، وهذا درس للبشرية كلها لو يعقلون، فكانت سورة الأعراف مصورةً لواقع الكافرين بعد البيان وبعد الشرح والتفصيل،"وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ"شرحناه وبيناه"فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً"ومع ذلك لم يؤمنوا، فماذا لهم مقابل هذا الطغيان، مقابل هذا التعدي السافر، مقابل هذا الحقد على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وقد عرفوه بالصادق الأمين طول عمره، ما جرّبنا عليك كذباً قط، نسوا في سبيل ذلك أُخُوَّته ونسبه وأنه منهم، إذاً ليس لهم إلا القتال، بل ليس لهم إلا القتل، وجنب الله نبيّه صلى الله عليه وسلم