قوله تعالى: {بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الأعراف: 205] يشير إلى: غدو الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر الحقيقي هو: المذكور الحقيقي، والذاكر والمذكور في الحقيقية هو: الله الأزلي الأبدي؛ لأنه تعالى قال في الأزل: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] ففي الأزل خاطبهم وكان هو الذاكر والمذكور على الحقيقة، على أنا نقول: ما ذكره إلا هو، وهذا حقيقة قول يوسف ابن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله تعالى، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] الذين لا يعلمون أن الذاكر والمذكور هو: الله تعالى في الحقيقة.
ثم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206] ؛ يعني: الذين أفنوا أفعالهم وأخلاقهم وذواتهم في أوامر الله وأخلاقه وذاته، فما بقوا عند أنفسهم وإنما بقوا ببقاء الله عنده، {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [الأعراف: 206] ؛ لأن الاستكبار من أخلاقهم وقد أفنوها في أخلاقه، فما بقي لهم الاستكبار فكيف يستكبرون عن عبادته وقد أفنوا أفعالهم في أوامر الله وهي عبادته، فأعمالهم قائمة بالعبادة لا بالفعل، وهم في حال الفناء عن أنفسهم والبقاء بالله، {وَيُسَبِّحُونَهُ} [الأعراف: 206] ينزهونه عن الحلول والاتصال والإتحاد، وعن أن يكون هو العبد أو العبد إياه؛ بل هو كما كان في الأزل {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} [الإنسان: 1] .
{وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد، سجدوا له من الأزل في العدم منقادين مسخرين لأحكام القدرة في جادة الوجود، وسجدوا له إلى الأبد في الوجود ببذل الموجود منقادين لقربه قائمين لأحكام القدرة في تصاريف الإعدام والإيجاد والإفناء والإبقاء. انتهى انتهى {التأويلات النجمية. 3/} ...