ثم أخبر عن أمارات المخلوقين لأجل النار وصفات الكفار بقوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} [الأعراف: 179] يشير إلى أن الله تعالى خلق الخلق أطواراً، خلق طوراً منها للقرب والمحبة؛ وهم: أهل الله وخاصته إظهاراً للحسن والجمال، وكانوا به يسمعون كلامه ويبصرون جماله، وبه يعرفون كماله، وخلق طوراً منها للجنة ونعيمها؛ وهم: أهل الجنة إظهاراً للطف والرحمة، فجعل لهم قلوباً يفقهون بها دلائل التوحيد والمعرفة، وأعياناً يبصرون بها آيات الحق في الآفاق والأنفس، وآذاناً يسمعون بها خطاب الحق وكلامه ودعوة الأنبياء إلى الحق، وخلق أطواراً منها للنار وحجبها؛ وهم: أهل النار إظهاراً للقهر والعزة، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] ؛ يعني: دلائل التوحيد والمعرفة.
{وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] ؛ يعني: آيات الحق، {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} [الأعراف: 179] ، يعني: خطاب الحق بسمع القلوب، وفي الحقيقة كان يوم الميثاق هذا القول محجوبين عن شواهد بحجب الكبرياء والعزة فأثمرهم اليوم تلك البذر أثمار صفات، {َأُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ} [الأعراف: 179] ؛ لأن الأنعام لا يعرفون الله ليحبوه ويطلبوه فهم كذلك، {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأنعام: 179] ؛ لأنهم لم يكن للأنعام استعدادهم للمعرفة والطلب، وأنهم كانوا مستعدين للمعرفة والطلب فأبطلوا الاستعداد الفطري للمعرفة والطلب بالركون إلى شهوات الدنيا وزينتها وإتباع الهوى، فباعوا الآخرة بالأولى، والدين بالدنيا، وتركوا طلب المولى فصاروا أضل من الأنعام لإفساد الاستعداد، {َأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] عن الله وكمالات أهل المعرفة والطلب وعزتهم.