ثم خاطبهم الحق تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فسمع السابقون بسمع روحاني رباني نوراني خطابه، وشاهدوا بأبصار روحانية ربانية نورانية جماله، وأجابوا بأفئدة روحانية نورانية بنور المحبة لقائه، فأجابوه على المحبة: {قَالُواْ بَلَى} أنت ربنا المحبوب والمعبود، {شَهِدْنَآ} [الأعراف: 172] ؛ أي: شاهدنا محبوبيتك؛ فأخذوا مواثيقهم ألاَّ يحبوا ولا يعبدوا إلا أياه، وسمع أصحاب الميمنة بسمع روحاني خطابه، وطالعوا بأبصار روحانية جلاله، وآمنوا بأفئدة ربانية بإلهيته، فأجابوه على العبودية: {قَالُواْ بَلَى} أنت ربنا المعبود و {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285] ، فأخذ مواثيقهم {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] ، وسمع أصحاب المشأمة خطابه بسمع روحاني من وراء حجاب العزة، وفي آذانهم وقر العزة، وعلى أبصارهم غشاوة الشقاوة، وعلى أفئدتهم ختم المحنة، فأجابوه على الكلفة: {قَالُواْ بَلَى} أنت ربنا سمعاً كرهاً، فأخذ مواثيقهم على العبودية؛ فلهذا يرجع التفاوت بين الخليقة في الكفر والإيمان؛ أي: تفاوت الاستعدادات الروحانية والربانية، فافهم جدّاً.
ثم اعلم أننا لا نجد الله تعالى ذكر أنه كل أحداً وهو بعد العدم إلا بني آدم، فإنه كلمهم وهم غير موجودين، فأجبوه وهم معدومون، فجرى بالجود في الوجود ما جرى إلا الوجود، فهذا بدايتهم وإلى هذا ينتهي نهايتهم بأن يكون الله تعالى هو سمعهم وأبصارهم وألسنتهم، كما قال تعالى:"كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق"وإلى هذا أشار الجنيد - رحمه الله - حين سئل مال النهاية، وإنما أخذ الله عنهم هذا الميثاق في هذه البداية.