"ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه"وبالأصبعين يشير إلى صفات الجمال والجلال، وليس لغير الإنسان قلب مخصوص بهذه الكرامة، وإقامة القلب في أن يجعله مرآة صفات الجمال فيكون الغالب عليه الشوق والمحبة لطفاً ورحمة، وإزاغته في أن يجعله مرآة صفات الجلال فيكون الغالب عليه الحرص على الدنيا والشهوة قهراً وعزة، فالنكتة فيه أن قلب موسى عليه السلام لما كان مخصوصاً بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقروناً بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] قدم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية، فإن نار الشوق تصاعدت بسوء الأدب، فقالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] قدموا الجحود والإنكار وأخروا طلب الرؤية جهاراً {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} [البقرة: 55] بظلمهم، فشتان بين صعقة موسى عليه السلام وبين صعقة قومه، فأن صعقته كانت صعقة اللطف مع تجلي الربوبية، وإن صعقتهم كان صعقة القهر عند إظهار العزة والعظمة، ولمَّا كان موسى عليه السلام في مقام التوحيد ثابتاً كان ينظر بنور الوحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله تعالى، فرأى سفاهة القوم وما صدر منهم من آثار صفات قهره فتنة واختياراً له، فلما دارت كؤوس شراب المكالمات وسكر بأقداح المناجاة زل قدمه على بساط الانبساط فقال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ} [الأعراف: 155] ؛ أي: تزيغ قلب من تشاء بإصبع صفة القهر.