فلما لم يكن لهم بصيرة ترى بها الآيات نظروا ببصر البشرية فرأوا الآيات سحراً والنبي ساحراً {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف: 110] ، ولا شك في أن موسى عليه السلام أراد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن من أرض بشريتهم الظلمانية إلى نور الروحانية، {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} [الأعراف: 111] ، توهموا أنهم بالتأخير وحسن التدبير وبذل الجد والتشمير يغيرون شيئاً من التقدير، ولم يعلموا أن الحق غالب والحكم سابق، وعند حلول الحكم فلا سلطان للعلم والفهم، {وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الأعراف: 113] ظنوا أنهم يغلبون بما يسحرون، وأن لهم أجراً وإن كانوا هم الغالبين، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أبلغ من تأثير سحرهم، وإن أجرهم فيما لو كانوا مغلوبين.
{قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الأعراف: 114] أجرى تعالى هذا على لسان فرعون حقاً، وصدق بأنهم صاروا من المقربين عند الله لا عند فرعون، {قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ} [الأعراف: 115] فلمَّا أكرموا موسى بالتقدم وعظموه بالاستئذان أكرمهم الله بالسجود والإيمان، قال ألقوا: {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} [الأعراف: 115] .
{قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116] ؛ أي: عظيم في الإثم، كما قال: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] وعظم إثم السحر لمعارضته بالمعجزة.