وذكر الطمع الذي هو الرجاء في آية الدعاء لأن الدعاء مبنى عليه، فإن الداعي ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه، إذ طلب ما لا طمع فيه ممتنع وذكر الخوف في آية الذكر لشدة حاجة الخائف إليه كما تقدم. فذكر في كل آية ما هو اللائق بها والأولى بها: من الخوف والطمع، فتبارك من أنزل كلامه شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين.
(فَائِدَة)
كل ذِي لب يعلم أَنه لَا طَرِيق للشَّيْطَان عَلَيْهِ إِلَّا من ثَلَاث جِهَات:
أَحدهَا: التزيّد والإسراف فيزيد على قدر الْحَاجة فَتَصِير فضلَة وَهِي حَظّ الشَّيْطَان ومدخله إِلَى الْقلب وَطَرِيق الِاحْتِرَاز من إِعْطَاء النَّفس تَمام مطلوبها من غذَاء أَو نوم أَو لَذَّة أَو رَاحَة فَمَتَى أغلقت هَذَا الْبَاب حصل الْأمان من دُخُول الْعَدو مِنْهُ.
الثَّانِيَة: الْغَفْلَة فَإِن الذاكر فِي حصن الذّكر فَمَتَى غفل فتح بَاب الْحصن فولجه الْعَدو فيعسر عَلَيْهِ أَو يصعب إِخْرَاجه.
الثَّالِثَة: تكلّف مَا لا يعنيه من جَمِيع الْأَشْيَاء.
[فَصْلٌ الْفَرْقُ بَيْنَ الْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ]
قَالَ: وَالذِّكْرُ: هُوَ التَّخَلُّصُ مِنَ الْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ: أَنَّ الْغَفْلَةَ تَرْكٌ بِاخْتِيَارِ الْغَافِلِ، وَالنِّسْيَانَ تَرْكٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} وَلَمْ يَقُلْ: وَلَا تَكُنْ مِنَ النَّاسِينَ، فَإِنَّ النِّسْيَانَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَلَا يَنْهَى عَنْهُ.
(فصل)
الذكر نوعان: أحدهما ذكر أسماء الرب تبارك وتعالى وصفاته والثناء عليه بهما وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به تبارك وتعالى.
وهذا أيضاً نوعان:
(أحدهما) إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث، نحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونحو ذلك.
فأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه نحو سبحان الله عدد خلقه، فهذا أفضل من مجرد سبحان الله، وقولك الحمد لله عدد ما خلق في السماء وعدد ما خلق في الأرض وعدد ما بينهما وعدد ما هو خالق، أفضل من مجرد قولك الحمد لله.