إليه تعالى كل عمل من أعماله، ولم يكذبه الله تعالى ولم يخذله أو يقتله كما فعل
بالكذابين، بل ثبته وأيده وقواه ونصره ونجحه في جميع مساعيه ومقاصده، وصدقه
في كل ما أخبر به عنه ورفع ذكره، وأعلى شأنه حتى صار اسمه يذكر بجانب اسم
الله على ألسنة الملايين من البشر في كل بقعة من الأرض؛ فهل يكون هذا من
الكذابين؟
ولماذا لم يقم الله تعالى واحدًا آخر غيره عمل مثل ما عمل ونجح مثل نجاحه.
أحصوا الملوك العظماء، والساسة الماهرين، والقواد المحنكين، والخطباء
البلغاء، والمنشئين المجيدين، والكتاب المتفننين، والشارعين الحكماء، والوعاظ
المؤثرين، والأنبياء، والمصلحين، ومؤسسي الممالك والدول العظام، وأروني من
منهم جمع كل هذه الصفات وغيرها، مما أعجز عن التعبير عنه وعن حصره هنا.
من منهم كان بعيدًا عن العلم والعلماء والكتابة والقراءة ناشئًا بين الواهمين
والجهلة المنحرفين والمشركين والوثنيين؟ من منهم كان فقيرًا يتيمًا أميًّا إذا أراد أن
يتعلم شيئًا لا يمكنه إلا إذا اختطفه من أفواه بعض الجهلة الغافلين واختلسه اختلاسًا
دون أن يشعر به أحد، وإذا أراد أن يطلع على كتاب لما تيسر له ولما عرف فيه شيئًا
ولما وجده بين أمة أمية لا كتب لها ولا مكاتب ولا مدارس؟ من منهم كان في
هذه الظروف كلها وهذه البيئة وهذا الوسط، ثم أصلح أمة كالأمة العربية وأوجد أمة
كالأمة الإسلامية وأسس دولاً كدولها، وأوجد كتابًا كالقرآن وشرعًا ودينًا كالإسلام،
وأعجز الناس جميعًا عن القيام بعمل واحد كأعماله، والإتيان بسورة كسور قرآنه،
وجمع كل هذه الصفات وبلغ فيها شأوًا لا يصل إليه أحد؛ فكان أكبر ملك وأعقل
سياسي وأبلغ منشئ وواعظ وأحكم شارع وأشجع قائد وأعظم غازٍ وفاتح وأورع
متدين، وأنصح ناصح، وأكبر مرشد للناس في كافة شئونهم الدينية والدنيوية،
وأعظم مصلح للأفكار والأخلاق والعقائد والعبادات والمعاملات وأوسع مؤسس،
وأدوم منشئ للدول والممالك.
وهو في كل ذلك لم يتعلم شيئًا يكفي لإزالة جزء من ألف مما حوله من الأوهام
والخرافات والخزعبلات عنه وعن الناس ولم يتدرب أو يتدرج أو يتمرن قبل النبوة