ما قالته دائرة المعارف الإنكليزية في هذا الموضوع) وللعلماء الذين أنكروا صحة
عبارة يوسيفوس هذه أدلة كثيرة يطول بنا شرحها في مثل هذا الكتاب , وأهمها أنها
لم تكن معروفة لأوريجانوس المتوفى سنة 254 بعد الميلاد , وهو الذي كان صارفًا
همه كله إلى جمع كل ما جاء في تاريخ يوسيفوس عن المسيح عليه السلام , ومع
ذلك لم يذكر هذه العبارة، فإذا كانت موجودة في أيامه في التاريخ المذكور فلمَ تركها
وهي من الأهمية بمكان عظيم؟
فترى النصارى كما حرفوا كتب قدمائهم - كما اعترف بذلك لاردنر في
تفسيره , وآدم كلارك ويوسى بيس في تاريخه وغيرهم كثيرون - كذلك حرفوا
كتب اليهود، فزادوا في تاريخ يوسيفوس ما رأوه يؤيد دعاويهم , ومن ذلك يظهر لنا
أن اليهود كانوا في غاية الجهل والضعف والتفرق والذل والبعد عن البحث والقدرة
على المعارضة لدرجة جعلت النصارى تلعب بكتبهم كما شاءوا , فلا يبعد أنهم
حرفوا أيضًا أشياء في كتبهم المقدسة من غير أن يعرفوها أو يجرؤوا على المعارضة.
وإذا كان هذا حالهم باعتراف علمائهم , فهل بعد ذلك نثق بأي شيء نقلوه في
دينهم وهم يحرفون فيه ما أرادوا أن يحرفوه، ولو كان موجودًا عند اليهود أيضًا؟
وقد بين هورن في الباب الثامن من المجلد الثاني من تفسيره أسباب اختلافات
نسخهم بمثل ما نقلناه هنا عن (كتاب الأدلة السنية على صدق الديانة المسيحية)
ومما زاده أنهم كانوا أحيانًا يحرفون قصدًا؛ لأجل تأييد مسألة أو دفع اعتراض
وقال: (إنهم كانوا تركوا قصدًا العدد 43 من الإصحاح 22 من إنجيل لوقا)
وهو قوله: (وظهر له ملاك من السماء يقويه) لأن بعضهم خشي أن
تكون تقوية الملك للمسيح منافية لألوهيته انتهى باختصار [1] .
فإن قيل: إذا كانت كتب اليهود الأخرى المنسوبة لموسى غير سفر التثنية
ليست صحيحة , فلماذا لم يوبخ المسيح - عليه السلام - اليهود عليها؟ قلت.
(يتلى)
(( يتبع بمقال تالٍ ) )
(1) حاشية: يظهر من هذه العبارة التي كانوا حاولوا حذفها من الإنجيل أن المسيح كان منساقًا إلى الصلب رغم إرادته , وأنه كان يدعو الله بإلحاح شديد؛ ليصرف عنه كأس المنون حتى صار يتصبب عرقًا , فظهر له الملك؛ ليقويه ويشجعه (لوقا 22: 42 - 45) فأين إذًا شجاعته ورغبته في تقديم نفسه كفارة عن بني الإنسان؟ وهل يكون بعد ذلك قبوله للموت برغبته وإرادته وهو كان يتمنى النجاة منه لولا إرادة الله التي أكرهته عليه إكراهًا؟
وهل بهذا الخَوَر والضعف يتعلم النصارى كيف يضحون حياتهم في سبيل نفع الناس؟ وأين عمل المسيح هذا من عمل محمد وأصحابه الذين كانوا يستبشرون بالموت ويلاقونه بصدر رحيب غير هيابين ولا وَجِلين , وكل ذلك كان منهم في سبيل الله , وبقصد هداية الناس وإصلاح أحوالهم , وإخراجهم من الظلمات إلى النور؟ فمن منهما (محمد أم المسيح) كان أقدر على تعليم الناس تضحية نفوسهم في سبيل الله؟ انظر أصحاب عيسى كيف فروا من حوله , وحزنوا وأنكروه حتى كبيرهم بطرس (لوقا 22: 45 و 57 - 61) نعم إن المسيح زجر بطرس ووبخه حينما أراد تثبيط همته
(متى 16: 21 - 23) ولكن ذلك كان قبل دنو ساعة الصلب فلما اقتربت خاف وضجر وصار يستغيث بالله؛ لينجيه منه؛ لشدة فزعه ورعبه (مز 22: 14 ومتى 26: 36 - 45) ولذا جاء الملك وقواه
أما محمد وأصحابه فكانوا يرجون من الله الموت والشهادة في سبيله وهم في ميدان القتال كما هو معروف متواتر عنهم , فأين هذا من ذاك؟؟
... ... كيف ترقى رقيك الأنبياء ... ... يا سماء ما طاولتها سماء
انظر إلى الخنساء إحدى نساء ذلك العصر كيف شجعت بنيها الأربعة , وحرضتهم على الجهاد في سبيل الله حتى قُتلوا جميعًا يوم القادسية فقالت:
(الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته) ولا أريد أن أستشهد هنا بأقوال الرجال من أصحاب رسول الله , فإنها شهيرة عديدة وكلها مثال الصبر والشجاعة وقوة الإيمان والثقة بوعد الله وتضحية النفس في سبيله؛ فلذا دوخوا العالم في سنين قليلة وهو الأمر العجيب الذي لم يُعهد له مثيل في تاريخ البشر أجمعين , وكل ذلك كان بسبب تأثير روح رسول الله فيهم وفي أخلاقهم.