به؟ وإذا كان وجود روح القدس فيه يدل على أنه إله , فلماذا لم تَصِرْ الحواريون
أيضًا آلهة وهم ممتلئون منه (أع 2: 4) ؟ وإذا كان حلول الله أو أحد أقانيمه في
الناس لا يجعلهم آلهة , فلماذا صار المسيح إلهًا لحلوله فيه؟ ولماذا يعبد ناسوته مع
لاهوته ولا تُعبد أيضًا تلاميذه الممتلئون من روح الله؟ الحق أن كلَّ محتاجٍ لا يكون
إلهًا فلا الابن إلهًا؛ لأنه احتاج لروح القدس ولا الروح إله؛ لأنه احتاج للملك
ليستعين به على تقوية المسيح فالكل ليسوا آلهة) وعليه فقول القرآن الشريف هذا
مبطل لقول النصارى من أوله إلى آخره؛ ولذلك تكررت هذه العبارة فيه في حق
عيسى - عليه السلام - ولم تذكر بهذا اللفظ في حق غيره من الأنبياء عليهم السلام [1] .
ولتعلم النصارى أن روح القدس المذكور في القرآن المراد به الملك جبريل
كما يفهم من مجموع هذه الآيات {مَن كَانَ عَدُواًّ لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} (البقرة: 97) الآية , وقوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ} (الشعراء:
193 -194)وقوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} (النحل:
102), ومعنى روح القدُس الروح الطاهرة وهو جبريل ملك الوحي والإلهام
الإلهي (انظر دا 8: 16 و 19: 21 ولو: 19 و 26) وهو عبد من عبيد الله
الواحد الأحد تعالى الله عما يشركون.
أما قول النصارى: إن روح القدس هي الأقنوم الثالث أو هي الله , وأنها
تشكلت بصورة حمامة (متى 3: 16) فلا أدري كيف يتفق ذلك مع قولهم: إن
السموات والأرض لا تحصره تعالى ولا تحيط به , وأنها كلها في قبضة يده , راجع
سفر أخبار الأيام الثاني 6: 18 وقول سفر التثنية 4: 12(فكلمكم الرب من
وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام , ولكن لم تروا صورة بل صوتًا .... 15
فاحتفظوا جدًّا لأنفسكم , فإنكم لم تروا صورة ما يوم كلمكم الرب .... 16 لئلا
تفسدوا وتعملوا لأنفسكم تمثالاً منحوتًا صورة مثال ما شبه ذكر أو أنثى 17 شبه
بهيمة ما مما على الأرض شبه طيرما ذي جناح مما يطير في السماء)إلخ إلخ ومع
ذلك فقد عبد النصارى صورة الحمامة وصورة الثالوث كله , وصور أخرى كثيرة
(1) حاشية: يحتار بعض الناس لعدم ذكر القرآن أسماء الأنبياء فيه مرتبة بحسب أزمنتهم أو درجاتهم أو منازلهم عند الله كما في سورة النساء المدنية (4: 163 و 164) وكما في سورة الأنعام المكية
(6: 84 - 86) والسبب في ذلك والله أعلم أن القرآن جاء للقضاء على خصلة سيئة في البشر , وهي أنهم كثيرًا ما يتشاجرون ويتغاضبون للخلاف في بعض مسائل تافهة وأشياء صغيرة ما كان يليق بالعقلاء أن تكون سببًا للنزاع بينهم , لأنها ليست من جوهر الأمور بل من عرضها فمن هذه المسائل تفضيل بعض النبيين على بعض والتنازع في ذلك لدرجة أخرجت الدين عن المراد منه , فبعد أن كان الدين يراد به التوفيق بين الناس صار أعظم سبب للتفريق بينهم , فمن الناس من يظن أن السبق في الزمن أو التأخر فيه أو كثرة المعجزات أو كثرة الأتباع أو سعة الملك أو نحو ذلك سبب في إكرام بعض النبيين والحظ من قدر البعض الآخر منهم والتفريق بينهم , فالقرآن الذي علم المؤمنين أن يقولوا:
[لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ] (البقرة: 136) لم يرد أن يذكر النبيين بحسب أي ترتيب كان مما قد يتخذه بعض ضعاف العقول سببًا في تفضيل بعضهم على بعض؛ ليرشد المسلمين بذلك إلى أنه لا يليق بهم أن يتنازعوا مع غيرهم أو بعضهم مع بعض في مثل هذه المسائل الصغيرة والمباحث العقيمة , بل يجب عليهم أن يتركوا إدانة الخلق والحكم عليهم لخالقهم مالك يوم الدين وحده , فهو أعلم بقدر عباده وبضمائرهم وسرائرهم وأعمالهم ظاهرة وباطنة , وسيجزي كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون , ألا ترى أن يحيى (يوحنا) الذي يظنه الناس نبيًّا صغيرًا قال فيه عيسى: إنه لم تلد النساء نبيًّا أعظم منه (لوقا 7: 28) فتأدبًا مع الله ومع أنبيائه ورفعًا لسبب من أسباب الشقاق والتباغض والتنافر بين الناس وترفعًا عن سفاسف الأمور تجد القرآن الشريف يذكر الأنبياء بدون أي ترتيب , بل إذا كرر ذكرهم قدم وأخر في أسمائهم حتى لا يفهم أحد من ذكرهم أي وجه لتفضيل بعضهم على بعض , ولو أمكن النطق بأسمائهم جميعًا دفعة واحدة لفعل ذلك بدلاً من ذكر بعضهم معطوفًا على بعض بالواو , وإن كانت لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا , فكان الغرض وضعهم جميعًا في مستوى واحد بلا تفرقة بينهم وقد جرى محمد صلى الله عليه وسلم على هذا الأدب العالي الذي جاء به القرآن , فنهى الناس عن تفضيل بعض الأنبياء على بعض فقال كما رواه القاضي عياض في الشفاء: (لا تفضلوا بين الأنبياء) وروي عنه أنه قال: (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متَّى) نعم قال الله تعالى: [تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ] (البقرة: 253) , ولكن هذا شيء مما اختص بعلمه نفسه تعالى ولم يعلمنا به أو يرشدنا إليه لكي يزول من بيننا سبب من أسباب الشقاق والنزاع , فإن الدين جاء للتوفيق لا للتفريق بين عباد الله.