للقبر ومعرفته تعالى هي الحياة الباقية. قال المسيح عليه السلام يو 17: 3(وهذه
هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته)
وقال يو 11: 26 (كل من كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد) وقال أيضًا
يو 6: 47 (من يؤمن بي فله حياة أبدية) فهذه الأقوال كلها هي كقول داود: (لن
تدع تقيك يرى فسادًا (أو قبرًا) . تعرفني سبيل الحياة) إذ إن من عرف الله وآمن
به واتقاه لا يرى الفساد ولا الشر وينجو من الموت النفساني ويبتعد عن مأوى
الأشرار الفجار الذين ماتت نفوسهم فيحيا إلى الأبد (كما قال المسيح عليه السلام) : حياة طيبة مع الأطهار الأبرار بعيدًا عن مواطن السوء والشر والفساد راجع
أيضًا متى 6: 13 ويو 17: 15 (قال الله تعالى في القرآن الشريف: أَوَمَن
كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ
بِخَارِجٍ مِّنْهَا (الأنعام: 122)
أما إذا أصر النصارى على أن المراد بعبارة داود هذه الحقيقة لا المجاز
وترجمت هكذا: (لن تدع تقيَّك يرى قبرًا) كانت منافية لقوله قبلها مز 16: 9
(جسدي أيضًا يسكن مطمئنًّا) أي في القبر فإن ذلك يعين أن ما جاء بعد من عدم
رؤية القبر يراد به قبر موتى النفوس البعيدين عن الله (أي القبر المعنوي) فإن
المؤمن لا يموت أبدًا وليس المراد القبر الحقيقي وإلا فإن داود والمسيح عليهما
السلام قد رأيَا القبر ودفنا فيه وبقي المسيح فيه ثلاثة أيام - كما يقولون - ومن
راجع المزامير كلها علم أن المجازات فيها ربما كانت أكثر من الحقيقة وإني
لأعجب لماذا يريد النصارى حمل كل ما جاء في العهد القديم على المسيح ولو كان
بعيدًا عنه حتى مجَّ الإنسان سماع هذه الاستشهادات منهم!! لكني أتذكر فأقول:
إنهم لو وجدوا لدينهم دلائل غيرها لما تهافتوا عليها تهافت الظمآن على السراب
حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
فهذه هي براهينهم على الصلب من العهد القديم وقد انهارت جميعها على
أسسها وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت.