ولما سكن غضب موسى على قومه، وهدأت نفسه بتوبة أكثرهم، أخذ الألواح التي كتبت فيها التوراة، والتي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل، غيرة لله وغضبا له، فوجد فيها هدى للحيارى، ورحمة بالعصاة التائبين الذين يخافون من ربهم أشد الخوف على ما يصدر منهم من ذنوب، ويخشون عذابه وحسابه. وقد ضمن الرهبة معنى الخضوع، فعداها باللام.
ذكر ابن عباس: أنه لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوما، فردّت عليه، وأعيدت له تلك الألواح في لوحين، ولم يفقد منها شيئا. قال القشيري:
فعلى هذا: وَفِي نُسْخَتِها هُدىً أي وفيما نسخ من الألواح المتكسرة، ونقل إلى الألواح الجديدة هدى ورحمة. وقال عطاء: وفيما بقي منها. وذلك أنه لم يبق منها إلا سبعها، وذهب ستة أسباعها. ولكن لم يذهب من الحدود والأحكام شيء.
فقه الحياة أو الأحكام:
الحلم سيد الأخلاق، فحينما هدأت نفس موسى عليه السلام، وعاد إلى أناته وحلمه، أخذ يتدارس الألواح التي كتبت فيها التوراة، فوجد فيها بيان الحق من الضلال، والهدى من الانحراف، والرحمة من العذاب، ببيان وجه الرشاد وسلوك طريق الخير والصلاح، لمن كان يخاف ربه ويخشى عقابه.
وفي ضوء ما وجد فيها من حدود وأحكام، أخذ يرشد قومه إلى ما فيها، ويحملهم على العمل بها لأنها شريعة الله لبني إسرائيل. وتلك هي فترة الاستقرار في حياة موسى على ما يظهر لنا، بعد أن مرّ بتقلبات وأحوال شديدة التأثير، كاد بها يخسر إيمان قومه برسالته إلى الأبد، لولا عودته إلى النصح والإرشاد بما نزل في التوراة.
اختيار موسى سبعين رجلا لميقات الكلام والرؤية ومناجاته ربه
[سورة الأعراف (7) : آية 155]
(وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ(155)
الإعراب: