2 -يأخذ برأس أخيه يجره إليه لقد تعسر معه ولم يتسهل، مشهد عاصف خطير كما رسمه التعبير القرآني ولكن العبد الصالح الطيب من رقةِ داخَلَتْهُ ورحمة، يمتص غضب أخيه: -
أ - بندائه الرقيق الرفيق الناعم: يابن أم ...
ب - وبكشفه لحقيقة الموقف: (إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي) .
ج - وفي خطابه لقومه: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) فالتضمين أشار إلى الخبيء من المشاعر ليُطلب، والدفين ليُستخرج، فقد تضمن (سكت) معنى (انفك أو كفَّ أو انصرف) وكلها تتعدى بـ عن فـ (عن) هذه كانت مفتاحنا إلى تنوير الموقف في تصوير الخفي عن مشاعره والمستور في حناياه. جاء السكوت كالرمز والإيماء، والإشارة في خفاء إلى ما كان عليه موسى سلام اللَّه عليه من انتفاخ سحره وهيجان حفيظته. ويسكن الغضب وينفك عنه الشعور المتلبسق بنفسه، ويكف عن إثارته والذي عقد لسان ثورته عن الكلام ويَصرفه عن كل فَعَال، عائدا كما كان. إنه
التضمين (أجدى من الغيث) وهذه سبيله قل من يعتاده أو يشتغل به أو يبعث على إلطاف النظر فيه.
(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ...(155)
ذكر ابن القيم: اخترت: أصله أن يتعدى بحرف الجر (مِنْ) لأنه يتضمن إخراج شيء من شيء ، وجاء محذوفا في هذه الآية لتضمن الفعل معنى فعل غير متعدٍ كأنه (نخل قومه وميزهم) فمن هنا أسقط حرف الجر واللَّه أعلم كما أسقط في (أمرتك الخير) أي ألزمتك وكلفتك وذكر الزمخشري: من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل. وقال الآلوسي: اختار يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بـ (مِن) وقد حذفت هنا وأوصل الفعل، ونحوه قول الفرزدق:
منا الذي اختير الرجال سماحة ... وجودا إذا هبت الرياح الزعازع
-وسبعين رجلا - مفعول أول وأُخر عن الثاني لما مر مرارا.
وذكر أبو حيان: أن اختار افتعل من الخير وهو التخير والانتقاء وهو من الأفعال المتعدية إلى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر وهي مقصورة على السماع (اختار - استغفر - أمر - كنّى - زَوَّج - صدّق) ثم يحذف حرف الجر ويتعدى إليه الفعل. اخترت زيدا الرجال. قال الشاعر:
اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم ... واعتل من كان يُرجى عنده السول