أقول: يعود موسى عليه السلام من مناجاته لربه لا يدري ما أحدث قومه من بعده ومعه ألواح التوراة. وحين علم بجلية الأمر غضب أشد الغضب وبدا ذلك في قوله وفعله: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي) أسبقتم تعاليمه فعبدتم العجل قبل مجيء أوامره؟! أتعجلتم انتظار أمره وموعده وميقاته الذي وعدنيه أربعين ليلة ففعلتم ما فعلتم؟ وهكذا يكشف التضمين وفي نبرة من غضب موسى عليه السلام عن استباق قومه للأحداث وعدم انتظارهم في حفظ عهده وما وصاهم به. ولو كانت الآية - أعجلتم عن أمر ربكم - لانصرف إلى الاستعجال فقط دون الانتكاس الذي وقعوا فيه، وغضب له موسى أشد الغضب، لقد كانت النقلة بعيدة والمفاجأة قاسية أفقدته السيطرة على أعصابه فألقى الألواح وفيها كلام ربه ... تركهم على الهدى ليعود وهم يعبدون العجل.
لقد استبقوا موعده وميقاته واستعجلوا قضاءه وعقابه، وما حذف الحرف (عن) إلا لغرض مخصوص فإذا بدهك في هذه اللغة موضع منه ليس في سليقته ونجره فتنبه عليه، وتأت له، ولاطفْه بالصنعة والتأمل فإن ذلك يُمكنك منه.
(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ...(154)
ذكر الزمخشري: (سكت) تضمن معنى (انصرف عنه أو فتر) وقال أبو حيان: ولما طُفئ غضبه شبه خمود الغضب بانقطاع كلام المتكلم وهو سكوته. وذكر القرطبي: المراد لما كسرت ثورة غضبه عليه السلام، وقل غيظة ثم قال: وقرأ معاوية بن قرة، سكن بالنون وأصل السكوت: السكون
والإمساك.
وروى الطبري: ولما كفَّ موسى عن الغضب، وكذلك كل كافٍّ عن شيء ساكت عنه وإنَّمَا قيل: للساكت عن الكلام ساكت لكفِّه عنه. وقد ذُكر عن يونس الجرمي أنه قال: يقال سكت عنه الحزن. وقال الرازي: المراد بالسكوت السكون والزوال، ولا يجوز الصمت لأن سكت بمعنى سكن، وأما صمت فمعناه سدَّ فاه عن الكلام وذلك لا يجوز في الغضب.
أقول: نُقْلة بعيدة ... موسى عليه السلام في الحضرة الإلهية، موقف تنقطع عن بلوغه الأطماع، وتنعقد عن وصفه الألسنة، ينتقل بإشراقاته إلى جو مترد بانتكاساته، فقد اتخذ قومه في غيبته من حُلتهم عجلا يعبدونه.
محنة يصطلي موسى عليه السلام بنارها، وموقف يثير الغضب ويستولي على النفس فيندلع لسانه بالحِمَم وهل الغضب إلا شعور يتلبس بصاحبه فيفقده السيطرة على نفسه؟
بعد هذا الانفعال:
1 -يلقي الألواح وفيها الأوامر والنواهي، وفيها تكاليف الرسالة والخلافة.