أما قوله إن المراد بقوله: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} في الحرب والمكيدة، فهضم لهذا الفضل العظيم والحظ الجزيل الذي امتن الله به على رسوله وأخبر النبي صلى الله عليه وسلّم أن هذه الآية أحب إليه من الدنيا ومافيها، ومتى سمى الله الحرب والمكيدة صراطاً مستقيماً؟ وهل فسر هذه الآية أحد من السلف أو الخلف بذلك، بل الصراط المستقيم ماجعله الله عليه من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأن الله تعالى هداه إليه في قوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الأنعام: الآية 161) ـ
ثم فسره بقوله تعالى {دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام: الآية 161) ونصب ديناً هنا على البدل من الجار والمجرور، أي هداني ديناً قيماً أفتراه يمكنه ها هنا أن يقول إن الحرب والمكيدة، فهذا جواب فاسد جداً.
وتأمل ماجمع الله سبحانه لرسوله في آية الفتح من أنواع العطايا، وذلك خمسة أشياء:
أحدها: الفتح المبين.
والثاني: مغفرة ماتقدم من ذنبه وما تأخر.
والثالث: هدايته الصراط المستقيم.
والرابع: إتمام نعمته عليه.
والخامس: إعطاء النصر العزيز، وجمع سبحانه له بين الهدى والنصر لأن هذين الأصلين بهما كمال السعادة والفلاح، فإن الهدى هو العلم بالله ودينه والعمل بمرضاته وطاعته، فهو العلم النافع والعمل الصالح والنصر والقدرة التامة على تنفيذ دينه.
فالحجة والبيان والسيف والسنان فهو النصر بالحجة واليد وقهر قلوب المخالفين له بالحجة وقهر أبدانهم باليد، وهو سبحانه كثيراً ما يجمع بين هذين الأصلين إذ بهما تمام الدعوة وظهور دينه على الدين كله، كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} (التوبة: الآية 33) في موضعين في سورة براءة وفي سورة الصف (سورة الصف: الآية 9) . وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد: الآية 25) فهذا الهدى.