وأنت إذا التفت أدنى التفات تعلم أنه ما من أثر من آثار البطش إلا وهو مطرز برحمة الله تعالى بل ما من سعد ونحس إلا وقد خرج من مطالع أفلاك الرحمة التي أفاضت شآبيبها على القوابل حسب القابليات ؛ ومما يظهر سبق الرحمة أن كل شيء موجود مسبوق بتعلق الإرادة بإيجاده وإخراجه من حيز العدم الذي هو معدن كل نقص ، ولا ريب في أن ذلك رحمة كما أنه لا ريب في سبقه ، نعم تنقسم الرحمة من بعض الحيثيات إلى قسمين ، رحمة محضة لا يشوبها شيء من النقمة كنعيم الجنة وهي الطالعة من بروح اسمه سبحانه الرحيم ولكونه صلى الله عليه وسلم يحب دخول أمته الجنة ويكره لهم النار سماه الحق عز اسمه الرحيم في قوله سبحانه وتعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] ، ورحمة قد يشوبها نقمة كتأديب الولد بالضرب رحمة به وكشرب الدواء المر البشع وهي المشرقة من مطالع آفاق اسمه عز اسمه الرحمن ، ولعل هذه الرحمة العامة هي المرادة في قوله تعالى: {وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين} (الأنبياء ؛ 107) ثم اعلم أن سبق الرحمة الغضب يقتضي ظاهراً سبق تجليات الجمال على تجليات الجلال لأن الرحمة من الجمال والغضب من الجلال.
وذكر مولانا الشيخ عبد الكريم الجيلي قدس سره أن الجلال أسبق من الجمال.
فقد ورد في الحديث"العظمة إزاري والكبرياء ردائي"ولا أقرب من ثوب الرداء والإزار إلى الشخص.
ثم قال: ولا يناقض هذا قوله جل شأنه: (سبقت رحمتي غضبي) فإن الرحمة السابقة إنما هي بشرط العموم والعموم من الجلال.