أَخبر الله رسوله خبرا مؤكدا بصيغة القسم: أن الكفار قد استهزءوا برسل كرام قبلك، كما جاءَ في قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فليس بدعًا ما تراه من صناديد الكفر من قريش. وقد استهزءوا بك وسخروا منك. فما ذلك منهم إِلا جَرْيا على آثار أَعداء حَملَةِ الهدى من عباد اللهِ قبلهم، وقد حاق بأولئك الساخرين من العذاب ما يستحقونه، جزاءَ أَفعالهم الشنيعة، وسوءَ صنيعهم مع مَن اصطفاهم ربهم من خلقه.
وفي الآية:
1 -تعليم للنبي صلى الله عليه وسلم، سُنَنَ الله في الأمم مع رسلهم.
2 -تسلية وعزاءٌ له مما يلقى من المشركين من عناد، وما يساق إليه منهم من ضُرٍّ وأَذى، وتثبيت لقلبه، وإِعانةٌ له على المضى في تبليغ رسالته.
3 -بشارة له بحسن العاقبة، وما سيكون له من نصرٍ وتأييد، وقد كان جزاءُ المستهزئين - بمن قبله من الرسل - عذابَ الخزي باستئصال. ولكن الله كفاه المستهزئين به، فأهلكهم ولم يجعلهم سببا لهلاك قولهم: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهزِئِينَ} .
ولما كان ما يحل بالمستهزئين بالرسل من الهلاك - بحسب سنة الله المطردة فيهم، مما يرتاب فيه مشركو مكة لجهلهم بالتاريخ، وعدم تسمليمهم بخبر الآية - أمر الله تعالى رسوله، بأَن يدلهم على الطريق الموصل إلى علم ذلك بأَنفسهم. فقال:
11 - {قُلْ سِيرُوا في الْأَرْضِ ثُم انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} :
أَي قلْ يا محمد، للمكذبين المستهزئين بك من قومك، المحبين للأَسفار مع الغفلة، عن شئون الأُمم، والاعتبار بعاقبة الماضين، وأَحوال المعاصرين: سافروا في الأَرض - كشأنكم وعادتكم - وتنقلوا في ديار أولئك الأُمم الذين مَكَّنَاهم في الأَرض، ثم انظروا - في أَثناء رحلاتكم صيفا أَو شتاءً - آثارَ ما حل بهم من دَمار ساحق، وعذاب أَليم. وتأَملوا كيف كانت آخرتهم ونهايتهم: بما تشاهدون من آثارهم، وما تسمعون من أَخبارهم، ليكون في ذلك لكم عبرةٌ إن لم تصدقوا ولم تزجرْكم حُجَجُ الله عليكم!!