والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة . وقيل: سبعون . وقيل: ثمانون . والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان ، ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن . وليس المراد أن يصدّق الكفار محمداً في هذه الأخبار لأنهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضاً ، وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرّد سماعها يكفي في الاعتبار . ثم وصف تلك القرون بثلاثة أوصاف: الأول: تمكينهم في الأرض . مكن له في الأرض جعل له مكاناً ، ومكنه فيها أثبته ، وهما متقاربان ولهذا جمع بينهما في الآية . والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا . الثاني: إرسال السماء عليهم مدراراً يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء ، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب والمدرار كثير الدرّدرّ اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير . ومدراراً نعت المطر ويقال أيضاً سحاب مدراراً إذا تتابع أمطاره . ومفعال من أبنية المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث . الثالث {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات . فإن قيل: الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضاً ، قلنا: لدفع هذا الإشكال كرر فقال {فأهلكناهم بذنوبهم} فإن الإهلاك بسبب المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام . ثم نبه بقوله {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} [فاطر: 16] فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد . ثم ان الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف متعددة . منهم من بالغ في حب