ثم لما فرغ من دلائل التوحيد والمعاد شرع في النبوات فرتب أحوال الكفار مع الأنبياء في ثلاث مراتب: الأولى كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل وذلك قوله {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} "من"الأولى للاستغراق والثانية للتبعيض . والمراد وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا وهم على حالة الإعراض لقلة تدبرهم وفرط غفلتهم . الثانية: كونهم مكذبين وهذه شر مما قبلها لأن الإعراض قد يكون للغفلة لا للتكذيب وإذا كذب فقد أعرض وزاد . قال علماء المعاني: ههنا حذف كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وهو الحق . قال أنس: هو انشقاق القمر بمكة انفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة . وقيل: هو القرآن الذي تحدّوا به فعجزوا عنه . وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل شرعه . وقيل: وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره . والأولى الحمل على الكل . المرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين لأن التكذيب إذا انضم معه الاستهزاء كان غاية في الغواية وذلك قوله {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا} أي أخبار الشيء الذي كانوا {به يستهزؤن} وهو القرآن وغيره من المعجزات . وليس المراد نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله تعالى به كقوله {ولتعلمن نبأه بعد حين} [ص: 88] والحكيم إذا توعد فربما قال: ستعرف نبأ هذا إذا نزل بك ما تحذره . وذلك أن الغرض من الخبر حصول العلم بالمخبر عنه وذلك إنما يتحقق بعد المعاينة . ومعنى الآية سيعلمون بأي شيء استهزؤا وأنه لم يكن موضع استهزاء وذلك عند نزول العقاب بهم في الدنيا كيوم بدر وغيره أو في الآخرة . ثم لما زجرهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية .