ومسكن سبأ باليمن آية دالة على قدرة الله ؛ حديقتان وارفتان عن يمين وشمال ؛ ليأكل أهل سبأ من رزق الله ويشكروا نعمة الله . وكان لهم سد مأرب ، ووهبهم الله القدرة لبنائه ، فقطعوا من الجبال التي ليس عمل فيها ليحجزوا ماء المطر الساقط من السماء ، كل شيء إذن فعلوه وإنما فعلوه لأن الله قد أراده ، وهم أعرضوا عن أمرين: عن الرزق الوفير الذي منحهم الله إياه وأرادوا أن يعتمدوا على أنفسهم كما فعل قارون حيث قال: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي} .
ظنوا أنهم قادرون على رزق أنفسهم وكذلك لم يشكروا الله ، ولذلك أرسل الله عليهم سيل العرم ، أي أنه عقاب من جنس العمل ، وهكذا تكون عاقبة الإعراض والكفر بنعم الله . فقد سلط الله عليهم حيوانا من أضعف الحيوانات وأحقرها وهو الفأر فنقب السد فأغرق أموالهم ودفن بيوتهم .
ويخبر الحق رسوله بكل هذه الأخبار ليلفت بها وينبه إليها قوماً رأوا آثار حضارة عاد وثمود ، والرؤية سيدة الأدلة ، وطالبهم الرسول بها حتى يعرفوا عاقبة الإعراض والتكذيب والاستهزاء ، ولم يطلب الحق من رسوله إلا البلاغ فقط ، أما إيمان القوم فليس مكلفاً به صلى الله عليه وسلم ، إن هؤلاء قد خافوا من سيطرة"لا إله إلا الله"فهم الذين صنعوا من أنفسهم آلهة وتسلط بعضهم على بعض . فتخيل القوي أنه إله على الضعيف . وتخيل الغني أنه إله على الفقير ، وتخيل العالم أنه إله على الجاهل ، أما"لا إله إلا الله"فهي تساوي بين الناس جميعاً ، وهم يرفضون ذلك لأنهم يريدون السيادة . . ومثال ذلك قولهم: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .