والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ} وكلمة {ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} تستعمل على أنه واحد من ثلاثة لكنه غير معين . فكل ثلاثة يجتمعون معاً ، يقال لكل واحد منهم إنه {ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} . وليس هذا القول ممنوعاً إلا في حالة واحدة ، أن نقول: ثالث ثلاثة آلهة ؛ لأن الإله لا يتعدد . ويصح أن نقول كلمة:"ثالث اثنين"لأن الله يقول: {مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] .
إذن فمن الممكن أن نقول: هو رابع ثلاثة ، أو خامس أربعة أو سادس خمسة . وهو الذي يصير الثلاثة به أربعة أو يصير الأربعة به خمسة أو يصير الخمسة به ستة . إننا إن أوردنا عدداً هو اسم فاعل وبعد ذلك أضفناه لما دونه ، فهذا تعيين بأنه الأخير . فإن قال قائل: الله رابع ثلاث جالسين فهذا قول صحيح . لكن لو قلنا إنهم آلهة . فهذا هو المحرم ، والممنوع ؛ لأن الإله لا يتعدد .
ويلاحظ أن الحق لم يقل: ما يكون من نجوى اثنين إلاّ هو ثالثهم ؛ لأن النجوى لا تكون إلا من ثلاثة ، فإن جلس اثنان معاً فهما يتكلمان معاً دون نجوى ؛ لأن النجوى تتطلب ألا يسمعهم أحد . والنجوى مُسَارَّةَ ، وأول النجوى ثلاثة ، ولذلك بدأها الحق بأول عدد تنطبق عليه . فإن قلت:"ثالث ثلاثة"فهذا قول صحيح إن لم يكونوا ثلاثة آلهة .
والحق أراد أن يدفع هذا القول بالبطلان حين قال: {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام} .
والطعام مقوم للحياة ومعطٍ للطاقة في حركة الحياة ؛ لأن الإنسان يريد أن يستبقي الحياة ويريد طاقة ، والطعام أدنى من الإنسان لأنه في خدمته ، فإذا ما كانا يأكلان الطعام فهما في حاجة للأدنى . وإن لم يأكلا فلا بد من الجوع والهزال .