نقل صاحب الجامعة عن رينان وعن غيره على هذا النحو من الفهم والأمانة فإننا نهنئ من يقرأ ما يكتبه بأن علمه عين الجهالة، وهدايته نفس الضلالة، ثم قال الإمام الغزالي في بيان الحق في المسألة من طريق العلم المؤيد لما يعتقده المسلمون
ما نصه (الاقتران بين ما يعتقده في العادة سببًا وما يعتقد مسببًا ليس ضروريًّا عندنا
بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر
ولا نفيه متضمن لنفي الآخر فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من
ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق
ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشرب الدواء،
وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلمّ جرًّا إلي كل المشاهدات من المقترنات
في الطب والنجوم والصناعات والحرف، وأن اقترانها لما سبق من تقدير الله
سبحانه لخلقها على التساوي لا لكونه ضروريًّا في نفسه غير قابل للفرق بل في
المقدور خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون جز الرقبة وإدامة الحياة مع جز
الرقبة وهلمّ جرًّا إلي جميع المقترنات وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته، ثم
ضرب لذلك مثالاً واضحًا حاجة لذكره.
وما ذكره الإمام الغزالي هنا هو ما عليه فلاسفة هذا العصر فإنهم لايقولون بأن
شيئًا من هذه الأشياء عندهم ممكن، انفكاك التلازم وقع كثيرًا ويسمون ما لا يعرفون
له منه علة (فلتات الطبيعة) وبعض الانفكاك كان بما اكتشفه العلم من أسرار الكون
ويتوقعون بهذه الاكتشافات ما لم يقع كإحياء الموتى ولو كان في نظرهم محالاً لما
توقعوه، ولكن صاحب الجامعة لا يميز بين الضروري والممكن فيخلط المسائل
بعضها ببعض، وقد صرح الغزالي فيما تقدم آنفًا بأن المتلازمَيْن في العقل تلازمًا
يثبت به أحدهما بثبوت الآخر وينتفي بانتفائه هما اللذان يستحيل انفكاك تلازمهما لأن
قدرة الله تعالى لا تتعلق بالمستحيل.