الجامعة أن المسلمين إذا أرادوا الرقيّ والنجاح فلا بد لهم من سماع نصيحته وهي:
(1) أن يضعوا دينهم في جانب من العقل والعلم؛ لأنهما قاضيتان بهدمه كقضائهما
بهدم النصرانية، فإذا حاولوا الجمع بين الدين والعلم كما ينصح لهم بعض أئمتهم
بما ينشر في المنار وغيره فإنما يحاولون محالاً بل إنما يهدمون دينهم فيخرجون بلا
علم ولا دين، و (2) أن يعتقدوا أن سُنّة الله تعالى في الأسباب والمسببات مطردة
في الواقع خلافًا لما يحكم به الدين وعلماء الكلام، فإذا صدقوا بالواقع فعليهم أن
يكذبوا أئمتهم والعكس بالعكس، و (3) أن يجعلوا خليفتهم حاكمًا مدنيًّا يخترع
الشرائع والأحكام ويتركوا ما شرعه الله لما شرعه السلطان ويجعلوا الدين خالصًا
بالعبادة لله تعالى، أي إنه يجب على المسلمين في رأي صاحب الجامعة أن يتركوا
نصف دينهم وهو أحكام المعاملات الدنيوية ويجعلوا النصف الثاني لمن يريد أن
يترك العقل والعلم والأسباب لأجل العبادة، هذا ملخص نصح صاحب مجلة الجامعة
للمسلمين ولأجل أن يجعله مقبولاً أورد لهم كلمات عن بعض أئمتهم حرّفها عن
معناها ليخدع البسطاء بها، وإننا نشرح هذه المسائل ونبين الحق فيها ليكون حجة
على هؤلاء المعتدين الذين يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ
كَرِهَ الكَافِرُونَ (الصف: 8) .
الأسباب أو سنن الله تعالى في الخلق
وإثبات الإمام الغزالي لها
ذكر صاحب الجامعة في كتاب لَفَّقَهُ أننا أوردنا قوله تعالى: وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ
اللَّهِ تَبْدِيلاً (الأحزاب: 62) لإثبات أن النواميس الطبيعية لا تتغير ولا تتبدل
ثم قال:(مع أنه لو قام حجة الإسلام الإمام الغزالي من قبره وسمع هذا القول
لكسر قلم صاحب تلك المجلة وضحك من بساطته وعدم اطلاعه على الشئون التي
يبحث فيها؛ لأنه استشهد بتلك الآية للغرض الذي ذكره مع أنها لم ترد في القرآن
لهذا الأمر بوجه الإطلاق).
يقول هذا صاحب الجامعة تمهيدًا لخلابة المسلمين بأن ما يتحكم هو فيه من
الحكم بتفسير كتاب الله برأيه الأفين مقتبس من الإمام الغزالي الذي حرف قوله عن
موضوعه ولم يفهم مراده منه.