يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ ... وَكَفٌّ إِذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ
فَأَضَافَ مَا كَانَ صِفَةَ صَاحِبِ الْيَدِ مِنْ إِنْفَاقٍ وَإِفَادَةٍ إِلَى الْيَدِ؛ وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي أَشْعَارِهَا وَأَمْثَالِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى. فخَاطَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا يَتَعَارَفُونَهُ , وَيَتَحَاوَرُونَهُ بَيْنَهُمْ فِي كَلَامِهِمْ , فَقَالَ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}
يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يَبْخَلُ عَلَيْنَا وَيَمْنَعُنَا فَضْلَهُ فَلَا يَفْضُلُ , كَالْمَغْلُولَةِ يَدُهُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبْسُطَهَا بِعَطَاءٍ وَلَا بَذْلٍ مَعْرُوفٍ. تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا قَالَ أَعْدَاءُ اللَّهِ. فَقَالَ اللَّهُ مُكَذِّبُهُمْ وَمُخْبِرُهُمْ بِسَخَطِهِ عَلَيْهِمْ: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}
يَقُولُ:"أُمْسِكَتْ أَيْدِيهِمْ عَنِ الْخَيْرَاتِ , وَقُبِضَتْ عَنِ الِانْبِسَاطِ بِالْعَطِيَّاتِ , وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا , وَأُبْعِدُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ بِالَّذِي قَالُوا مِنَ الْكُفْرِ وَافْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ وَوَصَفُوهُ بِهِ مِنَ الْكَذِبِ , وَالْإِفْكِ"
{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}
يَقُولُ:"بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ بِالْبَذْلِ وَالِاعْطَاءِ وَأَرْزَاقِ عِبَادِهِ وَأَقْوَاتِ خَلْقِهِ , غَيْرُ مَغْلُولَتَيْنِ وَلَا مَقْبُوضَتَيْنِ {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} "
يَقُولُ:"يُعْطِي هَذَا وَيَمْنَعُ هَذَا فَيُقَتِّرُ عَلَيْهِ."
عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} قَالَ: «لَقَدْ يَجْهَدُنَا اللَّهُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى جَعَلَ اللَّهُ يَدَهُ إِلَى نَحْرِهِ. وَكَذَبُوا»
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْجَدَلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ نِعْمَتَاهُ , وَقَالَ: ذَلِكَ بِمَعْنَى: يَدُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ , وَذَلِكَ نِعَمُهُ عَلَيْهِمْ؛ وَقَالَ: إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي يَدٌ , يَعْنُونَ بِذَلِكَ: نِعْمَةً.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ الْقُوَّةَ , وَقَالُوا: ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي}