كُنْتُ لَأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ ، أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ مِمَّا فِيهِمَا بِشَيْءٍ"انْتَهَى مِنَ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ . وَالشَّاهِدُ فِيهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعَمَلِ بِمَا فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ ، وَالِاهْتِدَاءِ بِهِدَايَتِهَا ، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ أَبْعَدَ مَا كَانُوا عَنْ هِدَايَةِ دِينِهِمْ ، مَعَ شِدَّةِ عَصَبِيَّتِهِمُ الْجِنْسِيَّةِ لَهُ ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ ، عَلَى أَنَّ عَصَبِيَّتَهُمُ الْجِنْسِيَّةَ لَهُ قَدْ ضَعُفَتْ أَيْضًا ، وَاسْتَبْدَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِهَا جِنْسِيَّةَ اللُّغَةِ أَوِ الْوَطَنِ ."
وَلَا يَمْنَعُنَا مِنَ الِاعْتِبَارِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا عُلِّلَ بِهِ مِنَ الضَّعْفِ وَانْقِطَاعِ السَّنَدِ ، وَالْقَلْبِ وَالِاخْتِلَافِ ; لِأَنَّنَا لَا نُرِيدُ أَنْ نُثْبِتَ بِهِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا شَرْعِيًّا ، لَا دَلِيلَ عَلَيْهِمَا سِوَاهُ ، وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى سَلَامَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنَ التَّحْرِيفِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ; لِأَنَّهُمَا عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ ، يَشْتَمِلَانِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْهِدَايَةِ إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، وَلَكِنَّ أَهْلَهُمَا لَا يُقِيمُونَ ذَلِكَ ، فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا قَائِمَةٌ ، عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَثْبُتُ بِهِ الْعِبْرَةُ ، وَلَكِنْ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، وَقَدْ أَشَارَ الْحَافِظُ فِي تَرْجَمَةِ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ مِنَ الْإِصَابَةِ إِلَى مُخْرِجِيهِ ، وَعَلَّلَهُ عِنْدَهُمْ ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ قُصُورُ مَا اكْتَفَى بِهِ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ .