(تَنْبِيهٌ) : إِنَّ الشَّهَادَةَ لِبَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْقَصْدِ وَالِاعْتِدَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَهُ نَظَائِرُ فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (7: 159) وَقَوْلِهِ:
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) (3: 75) الْآيَةَ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ وَحْيٌ مِنَ اللهِ لَمَا وُجِدَتْ فِيهِ مِثْلُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَهْمَا كَانَ عَادِلًا فَاضِلًا ، لَا يَرَى الْفَضِيلَةَ الْمُسْتَتِرَةَ فِي خُصُومِهِ الَّذِينَ يُنَاوِءُونَهُ وَيُحَارِبُونَهُ ; فَيَشْهَدُ لَهُمْ بِهَا ، بَلْ أَكْثَرُ النَّاسِ يَعْمَى عَنْ مَحَاسِنَ عَدُوِّهِ الظَّاهِرَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ ، وَإِنْ رَأَى شَيْئًا مِنْهَا يَظُنُّ أَنَّهُ نِفَاقٌ وَخِدَاعٌ ، قَالَ شَاعِرُنَا الْحَكِيمُ:
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلَيْلَةٍ ... كَمَا أَنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمُسَاوَيَا
وَمِنْ شَوَاهِدَ الْعِبْرَةِ عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ كَلِمَةٌ قَالَتْهَا امْرَأَةٌ كَبِيرَةُ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالسِّنِّ ، مِنْ فُضْلَيَاتِ النِّسَاءِ فِي سِوِيسْرَةَ ، لِشَيْخِنَا الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ ، قَالَتْ لَهُ:"إِنَّنِي لَمْ أَكُنْ قَبْلَ مَعْرِفَتِكَ أَظُنُّ أَنَّ الْقَدَاسَةَ تُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمَسِيحِيِّينَ"، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ