وقال حمّاد بن سلمة عن أنس بن مالك: أن ناسا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا، فصحّوا فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في آثارهم فجئ بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم وألقاهم في الحرّة، قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا، ونزلت إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية. وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه وهذا لفظه، وقال الترمذي حسن صحيح.
7 -وهل آية المحاربة عامّة في المشركين والمسلمين؟ أو أنها خاصة في الكافرين،
فمن تاب منهم من قبل أن نقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحدّ، إن قتل أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، ثم تاب لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحدّ الذي أصاب. قال ابن كثير: والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات.
8 -احتج بعموم آية المحاربة على أنّ حكم المحاربة لمن قطع السبيل وأخاف النّاس في الأمصار وفي السبلان على السواء، لقوله تعالى وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يقتل الرجل، فيخدعه حتى يدخله بيتا، ويأخذ ما معه، أن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى وليّ المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأمّا في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق؛ لبعده ممّن يغيثه ويعينه.