35 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ... } الآية.
لما ذُكِرَ جزاءُ المحاربين لله ورسوله، وعِظَمُ جنايتهم، وفُتِحَ لهم بابُ المتاب والغفران، عقب ذلك بأَمر المؤْمنين - عامة - بتقوى الله، والجهاد في سبيله. تأمينا للإنسانية، وإسعادا لحياتها. ويدخل في أمر المؤمنين بتقوى الله المحاربون لله ورسوله. فعليهم أَن يتقوا الله ويجاهدوا أَنفسهم في سبيل رضاه.
والمعنى: يأَيها الذين آمنوا، اجعلوا أَنفسكم في وقاية من عذاب الله. واطلبوا إليه الوسيلة التي تتوسلون بها إِلى ثوابه والوقاية من عذابه، وهي فعل الطاعات وترك المعاصي.
ويدخل في الطاعات: التوبة من الذنوب، والاستغفار، والجهاد في سبيل الله: ودفع الفساد. كما يدخل في المعاصي: قطع الطريق والإِفساد في الأَرض اللذان تقدم الحديث عنهما، في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ... } .
أما التقوى، فهي اتقاء المحارم.
وأَما ابتغاء الوسيلة إِلى الله، فليس بالاستعانة بالصالحين .. فقد قال فيه الشيخ الآلوسي ما نصه: واستدَلَّ بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد، والقسم بهم بأَن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا .. ومنهم من يقول للغائب أَوالميت من عباد الله الصالحين، يا فلان، ادع الله تعالى أَن يرزقني كذا وكذا، ويزعمون أَن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة: ويروون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إذَا أعْيَتْكم الأمورُ فَعلَيْكُم بِأَهلِ القُبُورِ"أو"فَاسْتَعِينوا بِأَهْلِ القبور".
وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل.
وتحقيق الكلام في هذا المقام: أَن الاستعانة بمخلوق وجعلَهُ وسيلةً - بمعنى طلب الدعاء منه - لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه التوسل حيا، ولا يتوقف على أَفضليته عن الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول.