وَدَلِيلٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ الْكَفَنَ لَا مَالَك لَهُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ وَلَا مَوْقُوفَ عَلَى أَحَدٍ ؛ فَلَمَّا صَحَّ أَنَّهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَجَبَ أَنْ لَا يَمْلِكَهُ الْوَارِثُ كَمَا لَا يَمْلِكُونَ مَا صُرِفَ فِي الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ الْكَفَنَ يُبْدَأُ بِهِ عَلَى الدُّيُونِ ، فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ الْوَارِثُ مَا يَقْضِي بِهِ الدُّيُونَ فَهُوَ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْكَفَنَ أَوْلَى ، وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْوَارِثُ وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ مَالِكًا وَجَبَ أَنْ لَا يُقْطَعَ سَارِقُهُ كَمَا لَا يُقْطَعُ سَارِقُ بَيْتِ الْمَالِ وَآخِذُ الْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ جَوَازُ خُصُومَةِ الْوَارِثِ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالْكَفَنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ.
قِيلَ لَهُ: الْإِمَامُ يُطَالِبُ بِمَا يُسْرَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَمْلِكُهُ.
وَوَجْهُ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ الْكَفَنَ يُجْعَلُ هُنَاكَ لِلْبِلَى وَالتَّلَفِ لَا لِلْقِنْيَةِ وَالتَّبْقِيَةِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْمَاءِ الَّذِي هُوَ لِلْإِتْلَافِ لَا لِلتَّبْقِيَةِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْقَبْرُ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ ، لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ أَنْتَ إذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْوَصِيفِ ؟ يَعْنِي الْقَبْرَ.
قُلْت: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: عَلَيْك بِالصَّبْرِ.
فَسَمَّى الْقَبْرَ بَيْتًا.