ومذهب الفقهاء في هذه الآية أيضًا أن المراد بالنفي: الحبس.
قال الشافعي: ومن حضر منهم وكثر أو هِيب أو كان رِدءًا عُزِّر وحبس.
وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا. قال: ومن قتل وجرح أقص لصاحب الجرح ثم قتل، ولو أخذ المال وجرح أقص صاحب الجرح ثم قطع، لا يمنع حق الله حق الآدميين، ومن عفا عن الجراح كان له، ومن عفا عن النفس لم يحقن بذلك دمه، وعلى الإِمام قتله إذا بلغت جنايته القتل، ولا يقطع منهم إلا من أخذ ربع دينار فصاعدا، قياسًا على السنة في السارق.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا} أي: فضيحة وهوان.
{وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهذا للكفار الذين نزلت في العُرَنِيّين فإنهم ارتدوا عن الإسلام.
وبعض المفسرين يقول: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكانوا مشركين، وبعضهم يقول نزلت في قوم من أهل الكتاب.
ثم بالسنة أجري حكم هذه الآية على المحاربين من المسلمين، فبقي العذاب العظيم في الآخرة للكافرين، والمسلم إذا عوقب بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له.
34 -قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} .
قال الزجاج: جائز أن يكون موضع (الذين) رفعًا بالإبتداء، وخبره قوله: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، والمعنى: لكن التائبون من قبل أن تقدروا عليهم (فالله) غفور رحيم (لهم) وجائز أن يكون موضع (الذين) نصبًا فيكون المعنى: جزاؤهم الذي وصفنا إلا التائبين.
قال عطاء عن ابن عباس في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} : يريد آمنوا من قبل أن تعاقبوهم {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لمن تاب من الشرك {رَحِيمٌ} [المائدة: 34] به إذا رجع عما يُسخط الله.