قُلْنَا: ذَلِكَ مُمْكِنٌ ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا قَطَعَ الْأَيْدِيَ وَسَمَلَ الْأَعْيُنَ فُعِلَ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ إذَا تَعَيَّنَ فَاعِلُ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ حَرْبِيِّينَ ، وَإِنَّمَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ ؛ وَالْمُرْتَدُّ يَلْزَمُ اسْتِتَابَتُهُ ، وَعِنْدَ إصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ يُقْتَلُ.
قُلْنَا: فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ، وَالْأُخْرَى: لَا يُسْتَتَابُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، فَقِيلَ: لَا يُسْتَتَابُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يَسْتَتِبْهُمْ.
وَقِيلَ: يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ ، وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِتَابَةَ هَؤُلَاءِ لِمَا أَحْدَثُوا مِنْ الْقَتْلِ وَالْمُثْلَةِ وَالْحَرْبِ ؛ وَإِنَّمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ الَّذِي يَرْتَابُ فَيَسْتَرِيبُ بِهِ وَيُرْشَدُ ، وَيُبَيَّنُ لَهُ الْمُشْكِلُ ، وَتُجْلَى لَهُ الشُّبْهَةُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَنَاوَلَتْ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ قَالَ: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ؛ وَتِلْكَ صِفَةُ الْكُفَّارِ ؟ قُلْنَا: الْحِرَابَةُ تَكُونُ بِالِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ ، وَقَدْ تَكُونُ بِالْمَعْصِيَةِ ، فَيُجَازَى بِمِثْلِهَا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} .