وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن خَلَف ، حدثنا الحسن بن حماد ، عن عمرو بن هاشم ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن إبراهيم ، عن جرير قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قومٌ من عُرَيْنَة حُفَاة مضرورين ، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعَاء اللقاح ، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم ، قال جرير: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعدما أشرفوا على بلاد قومهم ، فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وسَمَل أعينهم ، فجعلوا يقولون: الماء. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"النار"! حتى هلكوا. قال: وكره الله ، عز وجل ، سَمْل الأعين ، فأنزل الله هذه الآية: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى آخر الآية.
هذا حديث غريب وفي إسناده الرَّبَذيّ وهو ضعيف ، وفيه فائدة ، وهو ذكر أمير هذه السرية ، وهو جرير بن عبد الله البجلي (1) وتقدم في صحيح مسلم أن السرية كانوا عشرين فارسا من الأنصار. وأما قوله:"فكره الله سمل الأعين ، فأنزل الله هذه الآية"فإنه منكر ، وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سَملوا أعين الرعاء ، فكان ما فعل بهم قصاصا ، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق ، عن إبراهيم بن محمد الأسلمي ، عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من بني فَزَارة قد ماتوا هزلا. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه ، فشربوا منها حتى صحوا ، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها ، فطُلِبوا ، فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسَمَر أعينهم. قال أبو هريرة: ففيهم نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}
(1) قال الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على تفسير الطبري (10/248) :
"وهذا الخبر ضعيف جدًا ، وهو أيضًا لا يصح ؛ لأن جرير بن عبد الله البجلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في العام الذي توفي فيه ، وخبر العرنيين كان في شوال سنة ست ، في رواية الواقدي (ابن سعد 2/1/67) ، وكان أمير السرية كرز بن جابر الفهري. وذلك قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة 11 من الهجرة ، بأعوام."
وهذا الخبر ، ذكره الحافظ ابن حجر ، في ترجمة"جرير بن عبد الله البجلي"، وضعفه جدا. أما ابن كثير ، فذكره في تفسيره (3/139) وقال:"هذا حديث غريب ، وفي إسناده الربذي ، وهو ضعيف. وفي إسناده فائدة: وهو ذكر أمير هذه السرية. وهو جرير ابن عبد الله البجلي. وتقدم في صحيح مسلم أن هذه السرية كانوا عشرين فارسًا من الأنصار. وأما قوله:"فكره الله سمل الأعين"فإنه منكر. وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء ، فكان ما فعل بهم قصاصا ، والله أعلم".
والعجب لابن كثير ، يظن فائدة فيما لا فائدة له ، فإن أمير هذه السرية ، كان ولا شك ، كرز بن جابر الفهري ، ولم يرو أحد أن أميرها كان جرير بن عبد الله البجلي ، إلا في هذا الخبر المنكر.