قلت: خلاف مثل هؤلاء لا يعد خلافًا، ومذهبنا أن دفع الصائل عن المال جائز، وعن البُضع له أو لأهله أو لأجنبي واجب.
قال البغوي، والمتولي رحمهما الله تعالى: إن لم يخف على نفسه.
وكذلك يجب الدفع عن النفس إن قصدها كافر، أو مهدر الدم، أو بهيمة، فإن قصدها مسلم محقون الدم فأظهر الأقوال أن الدفع جائز. وقيل: الاستسلام مستحب، وعليه استسلام عثمان رضي الله تعالى عنه لقاتليه.
قال بعض الأنصار فيه: من الطويل
وَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَ أَغْلَقَ بابَهُ ... وَأَيْقَنَ أَنَّ الله لَيْسَ بِغافِلِ
وَقالَ لأَهْلِ الدَّارِ أَنْ لا تُقاتِلُوا ... عَفا اللهُ عَنْ ذَنْبِ امْرِئٍ لَمْ يُقاتِلِ
فَكَيْفَ رَأَيْتَ الله ألقَى عَلَيْهِمُ الـ ... عَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ بَعْدَ التَّواصُلِ
وَكَيْفَ رَأَيْتَ الْخَيْرَ أَدْبَرَ بَعْدَهُ ... عَنِ النَّاسِ إِدْبارَ النَّعامِ الْجَوافِلِ
قلت: والذي أختاره الاستسلام أيام الفتنة؛ لما رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبحُ فِيْهَا الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ويُمْسِي كَافِرًا، ويُمْسِي مُؤْمِنًا ويُصْبحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيْهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيْهَا خَيْر مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيْهَا خَيْر مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوْا سُيُوْفَكُمْ، وَقَطِّعُوْا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوْا بِسِيُوْفكُمُ الْحِجَارَةَ؛ فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ"؟ يعني: هابيل عليه السلام.
وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه نحوه، وقال: قلت: يا رسول الله! إن دخل علي بيتي وأدخل يده ليقتلني؟
قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كُنْ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ"، وتلا هذه الآية:
{لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} [سورة المائدة: 28] الآية.