ومن هنا قال بعض السلف: ما عَرضت نفسي على الكتاب والسنة إلا خشيت أن كون مكذبًا.
وقال بعضهم: إذا قيل لك: هل تخاف الله؟ فأسكت؛ فإنك إن قلت: لا، كان كفراً، وإن قلت: نعم، فإنك لا تعمل أعمال الخائفين، فيكون كذباً.
8 -ومنها: كلف الأذى عن أخيه مع احتمال الأذى منه.
ألا ترى إلى قوله: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} [سورة المائدة: 28] .
روى ابن النجار في"تاريخه"عن عبد الرحمن الحبلي - قال: شكى رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاره، فقال:"كُفَّ عَنْهُ أَذَاكَ، وَاصْبِرْ عَلَى أَذَاهُ؛ فَكَفَى بِالْمَوْتِ مُفَرِّقًا".
وما كانَ بينَ متجاورَينِ أو متقارِبَينِ أو متصادقينِ أفضل من عشرة كُلِّ واحِد منهُما الآخرَ على الإنصافِ والاتِّفاق على الحقِّ وعدمِ الاختلافِ.
وقد روى الخرائطي في"المكارم"، وأبو نعيم عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"كَفَى بِهَا نِعْمَةً أَنْ يَتَجَاوَرَ الْمُتَجَاوِرَانِ، أَوْ يتَخَالَطَا، أَوْ يَصْطَحِبَا، فَيَفْتَرِقَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُوْلُ لِصَاحِبِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا".
وقلت في عقد هذا الحديث: من الطويل
تَصاحَبْتُما في مُدَّةٍ وَافْتَرَقْتُما ... وَكُلٌّ يَقُولُ الْخَيْرَ في وَصْفِ صاحِبِهْ
فَما بَعْدَها مِنْ نِعْمَةٍ وَفَضِيْلَةٍ ... لِطالِبِ فَضْلٍ في الزَّمانِ وَكاسِبِهْ
9 -ومنها: الاستسلام لقضاء الله تعالى.
ألا ترى إلى قوله: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} [سورة المائدة: 28] ؟
قال مجاهد رحمه الله تعالى: كان كُتِبَ عليهم إذا أراد الرجل يقتل الرجل تركه، ولا يمتنع منه. رواه ابن جرير.
وأما في شرعنا فيجوز أن يدفع عن نفسه إجماعًا، وإنما الكلام في وجوبه كما قال القرطبي.
قال: والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر.
قال: وفي الحشوية قوم لا يجيزون للمَصول عليه الدفع.