وكان القربان إذا كان مقبولاً نزلت نارٌ بيضاءُ من السماء فأكلته، وإلا لم تنزل النار إليه، وأكلته الطير والسباع، وكان قابيل صاحب زرع فقرَّب صُبرة من طعام من رديء زرعه، وكان هابيل صاحب غنم فقرَّب أحسن كبش عنده، ووضعا قربانهما على الجبل، فتقبل من أحدهما قربانه وهو هابيل، ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل، فغضب لرد قربانه، وأَضمر الحسد لأخيه حتى ذهب آدم عليه السلام إلى زيارة البيت الحرام، فجاء قابيل إلى هابيل وهو في غنمه، قال: لأقتلنك.
قال: ولم؟
قال: لأنَّ الله قبِل قربانك ولم يقبل قرباني، وتنكح أنت أختي الحسناء، وأنكح أختك الذميمة فتتحدث الناس أنك خير مني، ويفتخر ولدُك على ولدي.
فقال هابيل: ما ذنبي؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ
الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) [سورة المائدة: 27 - 29] .
قال المفسرون: يعني: إن كان الإثم واقعاً لا محالة فأريد أن يكون منك لا مني.
وقال بعضهم: أراد بالإثم: العقوبة.
قلت: والذي أختاره أن هابيل أراد تخويف أخيه من القتل، وتهويل أمره عليه لينجو هو من القتل، ويَسْلَم أخوه من العار والإثم، ولم يُرِدْ وقوع العصيان من أخيه.
قال الله تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) } [سورة المائدة: 30] .
قال ابن جريح، ومجاهد رحمهما الله تعالى: جهل كيف يقتل أخاه، فجاء إبليس بطائر أو حيوان غيره، فجعل يشدخ رأسه بين حجرين حتى قتله ليقتدي به قابيل، ففعل، وعلَّمَه القتل فتعلم. رواه ابن جرير.
قال ابن عباس: كان ذلك في ثورٍ؛ جبلٍ بمكة.
وقال محمد بن جرير: عند عَقَبة حراء.
وقال جعفر الصادق: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.
وروى الربعي في"فضائل الشام"عن علي رضي الله تعالى عنه، وعن كعب الأحبار، وعن عبد الله بن أبي المهاجر رحمهم الله تعالى: أنه بدمشق في جبل قاسيون.