ولا نقصان، إذ قرّبا قربانا، فتقبل الله قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، فغضب قابيل على أخيه، وحسده بسبب ذلك، وهدّده بالقتل، فكان رد هابيل أن ذكر أنّ سنّة الله أن يتقبل من أهل التقوى، ثم أعلمه بأنه إن مدّ إليه يده بالقتل فإنه لن يقابل صنيعه الفاسد بمثله، لأنه يخاف الله ربّه، ثمّ علّل سبب استسلامه للقتل بأنه يريد من صبره على قتل أخيه أن يبوء أخوه بإثم قتله مع آثامه السابقة ليكون من المعذّبين عند الله بسبب ظلمهم. وفي ذلك عظة وردع لقابيل، إلا أنه لم يتّعظ، ولم يرتدع، فحسّنت له نفسه قتل أخيه، وشجعته عليه فقتله، فأصبح من الخاسرين في الدنيا والآخرة وأيّ خسارة أعظم من هذا؟ فلما مات أخوه تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفنه، فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثى عليه فلما رآه سفّه نفسه أن يكون أعجز من الغراب في دفن أخيه، فدفنه فعلّاه الله بندامة بعد خسران. ثم يستمر السياق مبينا أنه من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلما وعدوانا شرع الله لبني إسرائيل وأعلمهم، وجعله شريعة دائمة: أنه من قتل نفسا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنمّا قتل النّاس جميعا، لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، ومن أحياها أي: حرّم قتلها، واعتقد ذلك، فقد سلم النّاس كلّهم منه بهذا الاعتبار. ومن ثمّ فكأنه أحيا الناس جميعا بذلك. ثم بيّن الله - عزّ وجل - أنّ رسل بني إسرائيل قد جاءتهم بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة، ومع ذلك فإنّ كثيرا منهم متّصف بالإفساد في الأرض. ومن هنا نفهم أن قوله تعالى:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ. أي: على اليهود قصة ابني آدم، وما ترتب عليها من حكم قطعي لله في موضوع القتل، وموقفهم من ذلك، نفهم من هذا أنّ السّياق في هذه الفقرة مستمرّ في قضيّة نقض الميثاق، في موضوع تشريعيّ، هو عصمة دم الإنسان إلّا بحق، ونقض بني إسرائيل لهذا.