وقد بيّن الله - عزّ وجل - في الفقرة الأولى من المقطع، والتي لها علاقة بأخذ الميثاق كيف أنّه أخذ الميثاق على بني إسرائيل في زمن موسى، وكيف أنّه جعل عليهم اثني عشر نقيبا على كل سبط منهم نقيب. ووعدهم الله - عزّ وجل - بالنّصر والرّعاية إن أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصدّقوا رسل الله، ونصروهم، وأنفقوا في سبيل الله. ووعدهم كذلك مع الرعاية والنصرة - إن وفوا بهذا - أن يمحو عنهم ذنوبهم، ويسترها عليهم فلا يؤاخذهم بها، وأن يدخلهم جنّته، ثمّ هدّدهم أنّه من خالف هذا الميثاق من عقده وتوكيده وشدّه. فجحده وعامله معاملة من لا يعرفه فقد أخطأ الطريق الواضح، وعدل عن الهدى إلى الضّلال، ثمّ أخبر تعالى عما حلّ بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده، لقد أبعدهم عن الحق، وطردهم عن الهدى، وجعل قلوبهم قاسية لا تتعظ بموعظة حتى تأوّلوا كتابه، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، وتركوا العمل به رغبة عنه، ونسوا قسما منه فعطلوه، ثم أخبر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن حالهم الملازم لهم هو المكر والغدر والخيانة، وأنّه لا يزال يطّلع عليها منهم، وأمره مع هذا بالعفو عنهم والصفح إحسانا لأن الله يحب المحسنين، وهذا - والله أعلم - عند ما يكونون ذمّة للمسلمين، وأما في حالة كونهم أهل حرب فالحذر والحرب، وبعضهم قال إن الأمر بالصفح والعفو كان قبل الأمر بالقتال، وفي المعنى الحرفي بيان، وبعد أن بيّن الله - عزّ وجل - الميثاق الذي أخذه على اليهود، وعقوبتهم إذا خالفوه، بيّن عاقبة النصارى إذ نقضوا ميثاقه، فنسوا قسما مما ذكّروا به، فعاقبهم على ذلك في الدنيا، بإلقاء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة، كل طائفة منهم تكفّر الأخرى، وعذاب في الآخرة أكبر إذ يحاسبهم على ما