إذن فالارتقاءات الحضارية تأتي عن طريق تعامل الإنسان مع القسم الذي ينفعل للإنسان ، واستحثاث واستخدام ما يُفعل له بطريقته التلقائية لينفعل معه كأشعة الشمس مثلا.
وجئنا بذكر كل ذلك من أجل أن نستوضح آفاق قول الحق: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا} . وكلمة"ثواب"إذن توحي بأن هناك عملاً ، فالثواب جزاء على عمل. فإن أردت ثواب الدنيا ، فلا بد أن تعمل من أجل ذلك. فلا أحد يأخذ ثواب الدنيا بدون عمل.
ومن عظمة الحق ولطفه وفضله ورحمته أن جعل ثواب الدنيا جائزة لمن يعمل ، سواء آمن أم كفر ، ولكنه خص المؤمنين بثواب باق في الآخرة.
ولذلك يقال:"الدنيا متاع". ويزيد الحق على ذلك: {فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} . ومن الحمق أن يوجد طريق يعطي الإنسان جزاءين ثم يقصر همته على جزاء واحد.
وهنا ملحظ آخر ؛ فحينما تكلم الحق عن ثواب الدنيا ، دل على أنه لا بد من العمل لنأخذ الدنيا ، ولم يذكر الحق ثواباً للآخرة ، بل جعل سبحانه الثواب للاثنين.. الدنيا والآخرة ، إذن فالذي يعمل للدنيا من المؤمنين إنما يأخذ الآخرة أيضاً ؛ لأن الآخرة هي دار جزاء ، والدنيا هي مطية وطريق وسبيل. فكأن كل عمل يفعله المسلم ويجعل الله في باله.. فالله يعطيه ثواباً في الدنيا ، ويعطيه ثواباً في الآخرة.
ويذيل الحق الآية: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} - إذن - فثواب الدنيا والآخرة لا يتأتى إلا بالعمل ، والعمل هو كل حدث يحدث من جوارح الإنسان ، القول - مثلاً - حدث من اللسان ، وهو عمل أيضاً ، والمقابل للقول هو الفعل. فالأعمال تنقسم إلى قسمين: إلى الأقوال وإلى الأفعال. ولتوضيح هذا الأمر نقرأ قول الحق:
{كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} [الفجر: 17 - 19]